غزة، إذاعة صوت الوطن –
في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، تعود مدينة حيفا إلى واجهة الذاكرة الوطنية بوصفها واحدة من أكثر المدن الفلسطينية اختزالًا لمعاني الفقد والصمود معًا؛ مدينةٌ حملت عبر تاريخها الطويل ملامح التعدد الحضاري والثقافي، قبل أن تتحول نكبة عام 1948 إلى نقطة فاصلة غيّرت تركيبتها الديموغرافية وفرضت على أهلها الفلسطينيين واقع التهجير والاقتلاع. وبين البحر الأبيض المتوسط وسفوح جبل الكرمل، ما تزال حيفا تحتفظ بحضورها الفلسطيني في الذاكرة والأدب والهوية، رغم التحولات العمرانية والسياسية التي شهدتها المدينة على مدار العقود الماضية.
وفي مقال بعنوان «حيفا: مدينةٌ تُقاوم الغياب بين البحر والكرمل»، يستعرض الكاتب الصحفي وعضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين وسام زغبر، التحولات التاريخية والثقافية التي عاشتها المدينة منذ ما قبل النكبة وحتى اليوم، مسلطًا الضوء على مكانتها في الوعي الفلسطيني، وحضورها في أعمال أدباء وشعراء فلسطينيين مثل إميل حبيبي وسميح القاسم ومحمود درويش، بوصفها رمزًا للهوية الفلسطينية المستمرة رغم التهجير ومحاولات طمس الذاكرة.
فيما يلي النص الكامل للمقال:
حيفا: مدينةٌ تُقاوم الغياب بين البحر والكرمل
وسام زغبر
كاتب صحفي وعضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين
في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، تعود مدينة حيفا بوصفها واحدة من أكثر المدن الفلسطينية اختزالًا لمعنى الفقد والبقاء معًا؛ مدينةٌ تتقاطع فيها الذاكرة مع الجغرافيا، والبحر مع الجبل، والتاريخ مع الحنين الذي لم ينقطع منذ عام 1948.
عند السفح الغربي لجبل الكرمل، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط بالمرتفعات الخضراء، نشأت حيفا كمدينةٍ كنعانية قديمة، حملت عبر القرون طبقاتٍ متراكمة من الحضارات والتحولات السياسية والثقافية. ومنذ العصور الإسلامية الأولى، مرورًا بالعهدين الأموي والعباسي، ثم العثماني والانتداب البريطاني، بقيت حيفا واحدة من أهم المدن الفلسطينية الساحلية، ومركزًا اقتصاديًا وثقافيًا نابضًا بالحياة.
قبل النكبة، كانت حيفا مدينةً فلسطينية ذات أغلبية عربية، تحتضن الميناء والأسواق والمقاهي والأحياء الشعبية التي شكلت ملامح الحياة الاجتماعية والثقافية على الساحل الفلسطيني. وكانت المدينة فضاءً مفتوحًا للتنوع الديني والثقافي، حيث تعايشت المساجد والكنائس والأسواق القديمة في مشهدٍ يعكس طبيعة فلسطين التاريخية.
لكن عام 1948 شكّل التحول الأكثر قسوة في تاريخ المدينة الحديث. فمع سقوط حيفا خلال النكبة، تعرض عشرات الآلاف من سكانها الفلسطينيين للتهجير القسري، وصودرت ممتلكاتهم، وتغيرت البنية الديموغرافية للمدينة بصورة جذرية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت حيفا واحدة من أبرز رموز الاقتلاع الفلسطيني، ومدينةً تعيش تناقضًا دائمًا بين حضورها العمراني الحديث وذاكرتها الفلسطينية التي لم تُمحَ.
ورغم عقود التهجير والتغيير، بقي الفلسطينيون في حيفا يحملون مدينتهم كجزءٍ من الهوية الوطنية والذاكرة الجمعية. ففي أحياء مثل وادي النسناس والحليصة، ما تزال الحكايات القديمة واللغة والوجوه الفلسطينية تقاوم النسيان، فيما تحولت المدينة إلى مساحةٍ حية للذاكرة الثقافية الفلسطينية.
وقد حضرت حيفا بقوة في الأدب الفلسطيني الحديث، بوصفها مدينةً تختصر مأساة الفلسطيني الذي بقي داخل وطنه أو اقتُلع منه. ففي كتابات إميل حبيب، ظهرت حيفا مدينةً ساخرة وحزينة في آنٍ واحد، تكشف التناقضات التي عاشها الفلسطيني داخل وطنه بعد النكبة، بين البقاء الجسدي والاقتلاع المعنوي. أما سميح القاسم، فقد حمل المدينة في قصائده بوصفها جزءًا من فلسطين التي لا يمكن اقتلاعها من الذاكرة، وظلت حيفا في شعره رمزًا للصمود والهوية والتمسك بالمكان.
كما حضرت حيفا في تجربة محمود درويش بوصفها مدينةً تتداخل فيها السيرة الشخصية مع الحكاية الوطنية الفلسطينية. هناك، بين البحر والكرمل، عاش درويش سنواته الأولى، وتشكل وعيه الشعري والسياسي، قبل أن تتحول المدينة في نصوصه إلى صورةٍ للوطن الممزق بين المنفى والعودة. لم تكن حيفا في شعره مجرد مدينة ساحلية، بل ذاكرةً مفتوحة على الحنين والأسئلة والغياب، ومكانًا يختصر العلاقة المعقدة بين الفلسطيني وأرضه بعد النكبة.
واليوم، تبدو حيفا مدينةً مزدوجة الملامح؛ فمن جهة، تُقدَّم كواحدة من أهم المراكز الصناعية والتجارية في المنطقة، تضم ميناءً استراتيجيًا ومصافي نفط وشبكات نقل وسكك حديد، ومن جهة أخرى، لا تزال تحتفظ بملامحها الفلسطينية في الأزقة القديمة والبيوت التاريخية وأسماء الأماكن التي نجت من التغيير.
ويمتد هذا التناقض إلى المشهد العمراني والثقافي للمدينة؛ فبين الأبراج الحديثة والميناء الصناعي، تقف معالم تاريخية ودينية شاهدة على تعدد الروايات والطبقات الحضارية، مثل حدائق البهائيين المعلقة على سفح الكرمل، وحي الألمانية التاريخي، ومسجد الاستقلال، والكنائس القديمة التي تعكس التنوع الديني والثقافي الذي عرفت به المدينة عبر تاريخها.
لكن حيفا، بالنسبة للفلسطينيين، ليست مجرد ميناء أو مدينة حديثة على البحر، بل رواية مستمرة عن وطنٍ لم يغادر الذاكرة. ولهذا، في الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية، تبقى حيفا مدينةً تُقاوم الغياب؛ مدينةً ما تزال تُكتب في الشعر والرواية والذاكرة، بين ما كانت عليه قبل النكبة، وما أصبحت عليه بعدها، وما بقي عالقًا في وجدان الفلسطينيين جيلاً بعد جيل..
الكلمات المفتاحية: النكبة الفلسطينية, إميل حبيبي, ميناء حيفا, المدن الفلسطينية المحتلة, ذكرى النكبة 78, حيفا الفلسطينية, محمود درويش, سميح القاسم, حيفا, الهوية الفلسطينية, النكبة 1948, مدينة حيفا, تهجير الفلسطينيين, فلسطين التاريخية, الأدب الفلسطيني, الفلسطينيون في حيفا, الثقافة الفلسطينية, جبل الكرمل, الذاكرة الفلسطينية, حيفا قبل النكبة.