غزة، إذاعة صوت الوطن –
كتبت ريما كتانة نزال عضو الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين أن المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، تواجه حملة متصاعدة من الضغوط السياسية والتشكيك، في ظل الجدل الذي أثارته تقاريرها الأخيرة بشأن الانتهاكات في فلسطين. وأشارت الكاتبة إلى أن طبيعة الاستهداف تجاوزت مضمون التقارير لتطال شخص المقررة نفسها، في تحول – بحسب وصفها – يعكس محاولة لنقل النقاش من الأدلة القانونية إلى التشكيك بالمصدر، بما يثير تساؤلات حول استقلالية آليات الأمم المتحدة وقدرتها على أداء دورها في توثيق الانتهاكات ومساءلة مرتكبيها.
وهذا نص المقال كاملاً
يلاحقون فرانشيسكا ويتركون المجرم
الكاتب: ريما كتانة نزال
أجزم بعدم تعرّض أي من العاملين في المواقع المفصلية بالأمم المتحدة كما تتعرض له المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الأمر الذي يُعطي الانطباع بأن القضية لم تعد تدور حول مضمون تقارير المقرّرة الخاصة فرانشيسكا ألبانيزي بل حول شخصها. وهذا التحول ليس بريئاً من جميع الزوايا والاعتبارات، لأن نقل النقاش من الأدلة القانونية إلى التشكيك بالمصدر، نصبح أمام محاولة ممنهجة لاغتيال الشخصية عدا تفريغ الحقيقة من مضمونها دون الاضطرار إلى دحضها.
وبذلك، لم يعد استهداف فرانشيسكا ألبانيزي حدثاً عابراً يمكن إدراجه ضمن الخلافات السياسية المعتادة حول تقارير الأمم المتحدة. بل إن ما يجري اليوم يتجاوز ذلك بكثير؛ نحن أمام محاولة واضحة للتشكيك بوظيفة المساءلة الدولية نفسها وإسكات من يحملها.
من النوافل، أن ألبانيزي لم تقدّم خطاباً سياسياً ينطلق من قناعاتها الشخصية أو خارج الأطر المعروفة، بل استندت إلى القانون الدولي ذاته بموجب تفويض أممي واضح. ومع ذلك، لم تُواجَه تقاريرها بنقاش قانوني جاد، بل استبدل النقاش بحملة مركّبة ضدها: الضغوط السياسية والتشهير تجعل من تطبيق أدوات النظام الدولي عرضة لمحاولات العزل، وصولاً إلى إجراءات تحمل طابعاً عقابياً، لخلق بيئة ضاغطة ومخاطر تُعرِّض العاملين في مواقع المسؤولية وعائلاتهم إلى التهديد والابتزاز والعقاب الشخصي كتجميد الحسابات الشخصية ومصادرة الأموال.
ما نشهده اليوم من عنف قانوني تتعرض له ألبانيزي؛ وقبلها ما تعرض له المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، يهدف إلى حرمان الضحايا من الإنصاف والحماية، وترهيب كل من يفكر في الاقتراب من الخطوط الحمراء.
الأخطر من ذلك أن هذه الحملة لا تستهدف ألبانيزي كشخص، بل تستهدف النموذج الذي تمثّله: نموذج المقرر الأممي الذي لا يكتفي بالوصف، بل يربط بين الانتهاكات وبنيتها السياسية، ويطرح أسئلة محرجة حول المسؤولية الدولية والتواطؤ لصالح المجرم، وهنا يصبح الصمت مطلوباً، لا النقاش.
إن ما يجري يكشف عن تحوّل عميق في النظام الدولي: بدأ بالهجوم على دور مؤسسات الأمم المتحدة وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة للانتقال به إلى شخوصها، ما ينقل الصراع من صراع على الجرائم المرتكبة إلى من يعمل على كشفها وفضحها. وبدلاً من مساءلة من يرتكب الانتهاكات تتم الإساءة لمن يحددها ويصفها. وبدلاً من حماية آليات حقوق الإنسان، يجري الضغط عليها حتى تفقد فعاليتها.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل ما زال بإمكان المقررين الخاصين العمل باستقلالية؟ وهل تُحترم تقاريرهم كأدوات قانونية، أم تُعامل كآراء سياسية قابلة للعقاب؟ وهل ما زال النظام الدولي قادراً على حماية أدواته من نفوذ الدول الأقوى؟
الإجابة للأسف تتشكل أمامنا بوضوح مقلق، الهجوم على ألبانيزي بسبب الخوف من أثر عملها؛ كونها لم تكتفِ بتوصيف الانتهاكات والجرائم المرتكبة، ولأنها وضعت إصبعها على البنية العنصرية الإسرائيلية التي تنتجها وتحميها، ما يجعلها مزعجة لدولة الاحتلال، لأنها تكشف ما يُراد له أن يبقى خفيّاً، ولأنها تطالب بالمحاسبة والمساءلة، ما يقتضي تفكيك أدوات الحماية والمساءلة واحدة تلو الأخرى، عبر تفريغها من مضمونها وتحويلها إلى شكل بلا مضمون.
وفي النهاية، لن تبقى القضية تتعلق بألبانيزي وحدها، بل بكل من يؤمن بأن القانون الدولي أداة للدفاع عن الإنسان وحقوقه. فحين تصبح العدالة عبئاً ويُلاحَق من يطالب بها، نكون قد دخلنا مرحلة أخطر بكثير من مجرد انتهاك الحقوق: مرحلة تفرض على الأمم المتحدة إعادة تعريف القوانين الدولية وحماية دورها ووظائفها، وفتح تحقيقات بشأن الانتهاكات الموثقة في تقارير المقررة الخاصة، وعدم الرضوخ للضغوط السياسية للولايات المتحدة ودولة الاحتلال، وتجديد ولاية المحامية الكفؤة والنزيهة، كأحد الأسباب المغرضة خلف الهجمة عليها.
الكلمات المفتاحية: تقارير الأمم المتحدة, ريما كتانة نزال, غزة, الضغوط السياسية, فلسطين, الاستهداف السياسي, الأمم المتحدة, القانون الدولي, حقوق الإنسان, المساءلة الدولية, الانتهاكات الإسرائيلية, فرانشيسكا ألبانيزي, المقررة الخاصة.