من تحت الركام إلى القبور.. غزة تشيّع ضحايا مجزرة عائلتي أبو شريعة والحساينة
بعد أكثر من ألف يوم على استشهادهم، ودّعت مدينة غزة رفات 112 شهيدًا من عائلتي “أبو شريعة” و”الحساينة”، بعد انتشال جثامينهم من تحت أنقاض المنازل التي دُمرت خلال الحرب في […]
في مشهد يلخّص واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في التاريخ الحديث، شيّعت غزة رفات 112 شهيدًا من عائلتي «أبو شريعة» و«الحساينة»، بعد أن بقيت جثامينهم تحت أنقاض المنازل المدمرة لأكثر من ألف يوم. ويعيد هذا المشهد إلى الواجهة حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفتها الحرب، وما رافقها من عجز عن انتشال الضحايا ودفنهم بما يليق بكرامتهم الإنسانية، في ظل استمرار الانتقادات الموجهة للمجتمع الدولي بسبب عجزه عن توفير الحماية للمدنيين وضمان احترام القانون الدولي الإنساني.
وفي هذا السياق، يكتب وسام زغبر، الكاتب الصحفي والنقابي وعضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، مقالًا بعنوان “غزة تدفن أبناءها بعد أكثر من ألف يوم… والعالم يدفن ضميره”، يتناول فيه الأبعاد الإنسانية والأخلاقية لهذه المأساة، ويرى أن بقاء جثامين الضحايا تحت الركام لسنوات يمثل شاهدًا على عمق الكارثة، ويطرح تساؤلات حول مسؤولية المجتمع الدولي تجاه ما جرى ويجري في قطاع غزة. فيما يلي النص الكامل للمقال:
غزة تدفن أبناءها بعد أكثر من ألف يوم… والعالم يدفن ضميره
وسام زغبر
كاتب صحفي ونقابي وعضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
لم تعد المأساة في غزة تُقاس بعدد الشهداء، بل بعدد الأيام التي ظل فيها الشهداء ينتظرون أن يُنتشلوا من تحت الركام. أكثر من ألف يوم مرت، ولم تكن خلالها الجثامين مجرد أجساد غيّبها الدمار، بل كانت شاهدة على عجز الإنسانية، وصمت العالم، وانهيار المنظومة الأخلاقية التي طالما تغنى بها المجتمع الدولي.
في غزة، لم يكن الموت خاتمة الألم، بل بدايته. فهناك عائلات لم يُكتب لها أن تبكي أبناءها حين استشهدوا، ولم تتمكن من احتضانهم للمرة الأخيرة، ولم تجد قبورًا تزورها أو شواهد تحمل أسماءهم. انتظرت ثلاثة أعوام كاملة، حتى أعادت إليها الأنقاض ما بقي من رفات أحبّتها.
اليوم، تُشيّع غزة 112 شهيدًا من عائلتي «أبو شريعة» و«الحساينة»، بعد أن بقيت جثامينهم حبيسة الركام لأكثر من ألف يوم. لم يكن الزمن كافيًا لشفاء الجراح، بل كان شاهدًا على استمرارها. وكل يوم مرّ فوق تلك الأنقاض كان يضيف فصلًا جديدًا إلى مأساة لم يعرف التاريخ الحديث لها مثيلًا.
أي حضارة هذه التي تسمح بأن تبقى جثامين الأطفال والنساء والضحايا مدفونة تحت الإسمنت والحجارة لسنوات؟ وأي قانون دولي هذا الذي يعجز حتى عن حماية حرمة الموتى، بينما يواصل الحديث عن حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية؟
لقد تجاوزت غزة مرحلة البحث عن العدالة، وأصبحت تبحث عن الحد الأدنى من الكرامة: أن يُنتشل الشهيد من تحت الركام، وأن يُعرف اسمه، وأن يُدفن في قبر يحمل شاهدة، بدل أن يبقى رقمًا في قوائم المفقودين.
إن الجريمة لا تكمن فقط في استشهاد 308 فلسطينيين من عائلتين، بينهم عشرات الأطفال والنساء وذوو الإعاقة، بل في أن يبقى الناجون أسرى الانتظار ثلاثة أعوام، يفتشون بين الأنقاض عن عظمة، أو قطعة قماش، أو أثر يدل على من أحبوا. إنها معاناة لا تنتهي بانتهاء القصف، بل تبدأ بعده، وتستمر ما دام الركام يخفي أصحابه.
والأشد مرارة أن العالم اعتاد هذه المشاهد. أصبحت الجنائز الجماعية تمر أمام الشاشات بلا صدمة، وصارت صور الأمهات الثكالى والأطفال الشهداء تفقد قدرتها على تحريك الضمير العالمي. هكذا يُقتل الضحايا مرتين: مرة بالقصف، ومرة بالنسيان.
وأين العالم العربي؟ أين الملايين التي كانت تهتز لوجع فلسطين؟ كيف يمكن لأمةٍ كاملة أن تشاهد شعبًا ينتشل أبناءه بعد أكثر من ألف يوم، ثم تمضي حياتها وكأن شيئًا لم يكن؟ إن الصمت، حين يبلغ هذا الحد، لا يعود حيادًا، بل يتحول إلى شراكة أخلاقية في استمرار المأساة.
قد ينجح الركام في إخفاء الجثامين لسنوات، لكنه لن يدفن الحقيقة. وقد يطول انتظار العدالة، لكنه لن يمحو ذاكرة الضحايا. فكل رفات يُنتشل اليوم هو وثيقة إدانة، وكل جنازة هي شهادة جديدة على مأساة لن يستطيع الزمن طمسها، ولن تتمكن السياسة من تبريرها.
غزة لا تودّع رفات شهدائها فقط، بل تودّع آخر أوهامها بأن هذا العالم ما زال قادرًا على الانتصار للإنسان. أما التاريخ، فسيسجل أن شعبًا انتظر أكثر من ألف يوم ليمنح أبناءه حقًا بسيطًا لا يحتاج إلى قرارات دولية ولا مؤتمرات ولا بيانات إدانة: أن يُدفنوا بكرامة.
الكلمات المفتاحية: الدفن في غزة, الحرب على غزة, الإبادة الجماعية في غزة, ضحايا الحرب, الجرائم الإسرائيلية, القانون الدولي الإنساني, رفات الشهداء, انتشال الجثامين, غزة, أكثر من ألف يوم, القضية الفلسطينية, عائلة أبو شريعة, وسام زغبر, عائلة الحساينة, شهداء غزة.
بعد أكثر من ألف يوم على استشهادهم، ودّعت مدينة غزة رفات 112 شهيدًا من عائلتي “أبو شريعة” و”الحساينة”، بعد انتشال جثامينهم من تحت أنقاض المنازل التي دُمرت خلال الحرب في […]
| الأربعاء | +30° | +25° | |
| الخميس | +31° | +25° | |
| الجمعة | +30° | +25° | |
| السبت | +29° | +24° | |
| الأحد | +29° | +24° | |
| الاثنين | +29° | +24° |
غزة تدفن أبناءها بعد أكثر من ألف يوم… والعالم يدفن ضميره
من تحت الركام إلى القبور.. غزة تشيّع ضحايا مجزرة عائلتي أبو شريعة والحساينة
قيادي فلسطيني: فصائل المقاومة التزمت بالاتفاق وإسرائيل تواصل التصعيد لإفشاله
هل تفتح إسرائيل معبر رفح أمام البضائع إلى غزة؟ مصر تضغط وتل أبيب ترفض
«فتح» تحذر من تهجير الغزيين.. ما الأسباب؟