• الرئيسية
  • keyboard_arrow_right أخبار
  • keyboard_arrow_right هل انتهى زمن «الراديو»؟ أم أن حنين الأثير أقوى من سطوة التكنولوجيا؟

أخبار

هل انتهى زمن «الراديو»؟ أم أن حنين الأثير أقوى من سطوة التكنولوجيا؟

wesam 27 أغسطس، 2026


Background
share close

في زمنٍ كانت فيه البيوت العربية تفتتح صباحاتها على صوت المذياع، وتتقاسم العائلات سهراتها على وقع البرامج والأغاني والحكايات، كان الراديو أكثر من وسيلة إعلام؛ كان رفيقًا يوميًا ونافذةً على العالم، وصوتًا يصنع ذاكرة الأجيال.

في مقاله «الحنين إلى الصباحات الأثيرية.. زمان يا راديو»، يستعيد الكاتب الجزائري محمد ياسين رحمة تلك العلاقة الحميمة مع «زمن المذياع»، مستعرضًا شهادات كتّاب حول مكانة الراديو في حياتهم، وما تركه من أثر ثقافي وإنساني، متسائلًا: هل انتهى زمن الراديو أمام سطوة الشاشات والتكنولوجيا، أم أن صوته ما زال يحتفظ بمكانه في ذاكرة ووجدان مستمعيه؟

فيما يلي النص الكامل للمقال والذي تنشره إذاعة «صوت الوطن» بالتزامن مع جريدة الأيام نيوز الجزائرية:

الحنين إلى الصباحات الأثيرية..

زمان يا راديو

بقلم / محمد ياسين رحمة – الجزائر 

الراديو! لم يكن مجرّد جهاز للأخبار والترفيه أو للديكور المنزلي والزينة، بل كان نافذة يتدفّق منها الأمل والتفاؤل كل صباح في البيوت العربية، فقبل أن تهبّ أخبار الأوجاع والآلام من كل جهات العالم، مثلما يحدث اليوم، كانت أصوات الذاكرين ترتقي بالمستمع إلى سماوات الوجد، ثم تسكب “فيروز” إشراقتها في قلبه بأغنيتها: “طلعِت يا محلا نورها شمس الشمُّوسه”.. فهل انتهى مذياع “الزمن الجميل”؟ وهل أمست الصباحات الفيروزية نسيًا منسيا؟

من فضائل التكنولوجيا أنها منحت لكل جيل وسائله وأجهزته بما يتوافق مع طبيعة عصره ومفاهيمه لـ”فنّ الحياة”، ومن المُجدي أن نستوقف الزمن- من باب الفضول المعرفي على الأقل – ونحاول ملامسة الحنين في فكر ووجدان “جيل المذياع”، لعلنا نُدرك بأنه كلما كانت الحياة بسيطة بوسائلها وأدواتها يكون لها معنى أعمق، و”مذاقها” أطيب، وأهدافها أنبل وأسمى، وفكرُ إنسانِها أصفى وقلبه أنقى.. وكلما كانت الحياة غنيّة بوسائلها وأدواتها المتطورة، كان معناها سطحيا، وتضجّ فيها مشتقّات القلق والضغط النفسي.. لا نزعم بأنه “ليس في الإمكان أبدع مما كان”، ولا نسعى إلى إقامة مقارنة بين جيلين، ولا نريد المفاضلة بين زمنين، فقط، نريد أن نطلّ على مرحلة ليست بعيدة عنّا كان فيها الراديو هو سيّد المقام!

في مدار هذه الرؤى، توجّهت “الأيام نيوز” إلى نخبة من الكُتّاب بهذه الرسالة: كان لجهاز الراديو مكانة كبيرة في البيوت العربية، وكانت العائلات تجتمع إليه في السهرات، لا سيما في ليالي الشتاء الطويلة.. وكانت تفتتح به صباحاتها لتتزوّد منه بطاقة يومها، حتى أنه كان يُقال “الصباحات الفيروزية” نسبةً إلى أغاني المطربة “فيروز”. وكان الراديو رفيق السائق والفلاح والعامل والطالب والمرأة الماكثة في البيت.. يُبهج القلوب ويُثري الفكر ويقدّم خدمات جليلة للمجتمعات، فما واقعه اليوم؟ وهل تتذكرون الراديو في بيوتكم؟ وكيف كانت علاقتكم به؟ هل لكم ذكريات مع الإذاعات والبرامج الثقافية؟ وكيف ترون واقعه اليوم، أم أن زمنه انتهى؟

تنوّعت الآراء والأفكار، فهذا الكاتب “شعبان عبد الجيد” يقول: “كانت البيوت المصرية، والعربية أيضًا، تفتح للراديو أبواب الصباح، كما تفتح النوافذ للشمس؛ فإذا انبعث صوته في أول النهار، أحسّ الناس أن يومهم قد بدأ. وكان للصباح يومئذٍ طعمٌ آخر، وللصوت سلطانٌ آخر، وللأغنية قدرةٌ على أن تمنح اليوم روحه قبل أن تبدأ الحياة بأعبائها”. ويضيف: “لم تكن الإذاعةُ يومئذٍ مجرد وسيلة لنقل الكلام؛ كانت مدرسةً بلا جدران. كان فيها الأدبُ والتاريخُ والفكرُ والموسيقى والمسرح، وكان البرنامج الثقافي يفتح للعقل نافذةً، والبرنامج الفني يفتح للذوق بابًا، والتمثيلية الإذاعية تبني للخيال مسرحًا لا حدود له”.

وقال الأديب “بسيم عبد العظيم عبد القادر”: “ولعلني أستطيع أن أقول، دون مبالغة، إنني عشتُ مع الراديو نحو ستين عامًا، لا بوصفه جهازًا من أجهزة المنزل، وإنَّما بوصفه رفيقَ عمر، ونافذة مفتوحة على العالم، ومدرسة مبكرة للخيال واللغة والموسيقى والحكاية، ولا أزالُ، إلى اليوم، أجد في ذلك الصندوق الصغير ذي الأزرار والموجات سرًّا من أسرارِ الألفة لا أجدُه بسهولة في شاشاتنا العملاقة، على الرغم من كل ما جاءت به من إمكاناتٍ مذهلةٍ، ولا تتعجب عزيزي القارئ إن قلت لك إني قد هجرت التلفاز منذ خمسة أعوام ولا أشاهده إلا حين أزور أبنائي، مكتفيا بالراديو الذي يملأ غرف المنزل بلا مبالغة”.

أما الكاتبة “سامية عرموش” فقالت: “لم يكن الراديو، في زمن مضى، مجرد جهاز يستقرّ في زاوية البيت؛ بل كان صوتًا يملأ المكان، وموعدًا تنتظره العائلة، ونافذة على عالم أوسع من حدود الحي والمدينة. ارتبط في فلسطين، كما في كثير من البيوت العربية، بإيقاع اليوم: الأغنية، المسلسل، النشرة الإخبارية، البرامج الثقافية الفنية، التحيات التي تصل عبر الأثير إلى أحبة فرّقتهم المسافات”.

وماذا عنك عزيزي القارئ، هل ربطتك بالراديو علاقةٌ وطيدة، وينتابك الحنين إليه رغم ما قدّمته التكنولوجيا من وسائل؟ لعلك تفتقد إلى “فن الانتظار” الذي علّمه الراديو لأجيال كثيرة، وتستعجل معرفة آراء وأفكار الكُتّاب! إذًا لن أثقل عليك أكثر، وها هو الملف بين يديك فـ”هيت لك”.. ولكن قبل ذلك دعني أهديك قصيدة “الراديو” للشاعر المصري “محمود غنيم” (1902 ـ 1972)، نشرها بمجلة “الرسالة” في جانفي 1935، أي في بدايات دخول المذياع إلى البيوت والمقاهي العربية، قال:

شَادٍ تَرَنَّمَ لَا طَيْرٌ وَلَا بَشَرُ — يَا صَاحِبَ اللَّحْنِ أَيْنَ العُودُ وَالوَتَرُ؟

إِنِّي سَمِعْتُ لِسَانَاً قُدَّ مِنْ خَشَبٍ — فَهَلْ تَرَى بَعْدَ هَذَا يَنْطِقُ الحَجَرُ؟

لَوْ قُلْتَ بِالجِنِّ قُلْتُ الجِنُّ أَنْطَقَهُ — أَوْ قُلْتَ بِالسِّحْرِ قُلْتُ القَوْمُ قَدْ سَحَرُوا

صَوْتٌ (بِرُومَا) صَدَاهُ رَنَّ فِي أُذُنِي — كَأَنَّمَا هُوَ مِنْ فَكِّيَّ مُنْحَدِرُ

كَأَنَّمَا كُلُّ أُذْنٍ أُذْنُ (سَارِيَةٍ) — وَكُلُّ مَاءٍ يُنَادِي نَائِيًّا (عُمَرُ)

هُنَا الخَطِيبُ الّذي خَانَتْهُ جُرْأَتُهُ — يَقُولُ مَا شَاءَ لَا جُبْنٌ وَلَا خَوَرُ

فَلَيْسَ يُخْشَى ضَجِيجُ القَوْمِ إِنْ طَرِبُوا — وَلَيْسَ يُخْشَى عَجِيجُ القَوْمِ إِنْ سَخِرُوا

لَهْفِي عَلَى دَوْلَةِ الحَاكِي وَدَوْلَتِهِ — لَقَدْ غَدَا فِي رَبِيعِ العُمْرِ يَحْتَضِرُ

وَآلَةٌ جَعَلَتْ مِنْ حُجْرَتِي أُفُقا — يَرْتَدُّ مُنْحَسِرا عَنْ حَدِّهِ البَصَرُ

كَأَنَّمَا الكُرَةُ الأَرْضِيَّةُ انْحَصَرَتْ — فِي جَوْفِهَا، وَالوَرَى فِي جَوْفِهَا انْحَصَرُوا

قَدْ حَكَّمَتْنِي فِي الأَصْوَاتِ لَوْحَتُهَا — فَصِرْتُ أَخْتَارُ مَا آتِي وَمَا أَذَرُ

وَكُلُّ رَقْمٍ عَلَيْهَا حَشْوُهُ طَرَبٌ — وَفِيهِ كَنْزٌ مِنَ الأَلْحَانِ مُسْتَتِرُ

قَدْ كُنْتُ أَغْشَى بُيُوتَ اللَّهْوِ مُنْتَقِلَاً — فَصَارَ يَسْعَى إِلَيَّ اللَّهْوُ وَالسَّمَرُ

لَهَا فَمٌ لَيْسَ يُسْتَعْصَى عَلَى لُغَةٍ — عَلَى الرَّطَانَةِ وَالإِفْصَاحِ مُقْتَدِرُ

عَوْرَاءُ لَا تَخْرُجُ الأَصْوَاتُ مِنْ فَمِهَا — إِلَّا إِذَا مَا بَدَا مِنْ عَيْنِهَا الشَّرَرُ

صَمَّاءُ لَكِنْ تَعِي مَا لَا تَعِي أُذُنٌ — بُكَاءُ مَنْ فِيهَا الأَخْبَارُ تَنْتَشِرُ

ثَرْثَارَةٌ إِنْ أَرَدْتَ القَوْلَ ثَرْثَرَةً — فَإِنْ أَرَدْتَ اخْتِصَارَاً فَهُوَ مُخْتَصَرُ

فِي كُلِّ يَوْمٍ يَرَى لِلْغَرْبِ خَارِقَةً — يَكْفِيهِ هَذَا وَيَكْفِي المَشْرِقَ النَّظَرُ

القَوْمُ يَبْتَكِرُونَ المُعْجِزَاتِ لَنَا — وَنَحْنُ نَفْتَنُّ فِي إِطْرَاءِ مَا ابْتَكَرُوا

فَهَلْ تَرَى الشَّرْقَ قَدْ أَدَّى رِسَالَتَهُ — وَهَلْ تَرَى أَنْبِيَاءَ الغَرْبِ قَدْ ظَهَرُوا؟

 

المصدر: إذاعة صوت الوطن+ الأيام نيوز

الكلمات المفتاحية: .

الخبر السابق
close

أخبار

«الديمقراطية»: احتجاز جثامين الشهداء وإخفاء مصير المفقودين جريمة متواصلة تستدعي آلية دولية عاجلة لكشف الحقيقة واسترداد الرفات

wesam 27 أغسطس، 2026

أكدت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين أن جريمة الاحتلال بحق شعبنا الفلسطيني لا تتوقف عند حدود القتل، وإنما تتواصل بعد الموت عبر احتجاز جثامين الشهداء، وإخفاء مصير المفقودين، وترك الرفات تحت […]

تفاصيل أكثر trending_flat