تتناول الصحفية شيماء ناصر الدرة في مقالها «نحن العالقون هنا… وأنتم تمضون إلى النور» مشهدًا بالغ القسوة من حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة، متوقفة عند تشييع رفات 112 شهيدًا من عائلتي أبو شريعة والحساينة، بعد بقائهم لسنوات تحت أنقاض المنازل المدمرة.
وتستحضر الدرة في شهادتها حجم المأساة الإنسانية التي خلفتها الحرب، من فقدان الضحايا وأحلامهم إلى معاناة الناجين العالقين بين الركام والحصار وطوابير الاحتياجات الأساسية، في مشهد تختلط فيه مشاعر الفقد بالغضب من الصمت والعجز الدولي إزاء ما يجري في القطاع. فيما يلي النص الكامل للمقال
نحن العالقون هنا… وأنتم تمضون إلى النور
بقلم: الصحفية شيماء ناصر الدرة
قرأت خبر الجنازة الأكبر في تاريخنا، ١١٢ شهيدًا، من بين أكثر من ٧٢ ألف شهيد في إبادةٍ لم تنتهِ بعد، ولا تزال تنهش فينا، وتأكل أرواحنا وأجسادنا، وتختطف أطراف أطفالنا وأحلامهم.
تخيَّلت جنازةً تضم ٧٢ ألف شهيد… كيف سنشيِّعهم جميعًا؟ هل ستتسع فلسطين التاريخية كلها لنا، ولحزننا، ولحجم الفقد، ولثقل الخذلان الذي نحمله؟ وهل سيكفي قماش العلم وألوانه ليلف كل هذا الوجع؟
يومٌ للحزن الهائل، لانفجار البكاء المؤجل، الدموع التي ظلت حبيسة لثلاثة سنوات، هذه جثامين ١١٢ شهيــداً من عائلة أبو شريعة والحساينة، سألت واحدٌ من ذويهم عن الحكاية، فأخبرني أن ٣٠٠ من رجال العائلة وأطفالها ونسائها يسكنون بيوت متلاصقة في هذا المربع، أطلقت الطائرات المسيرة على كلِ بيت منهم صاروخاً أو اثنين ليدفعهم للخروج والنزوح، وقد تجمعت كلُ عائلة أخلت بيتها في عمارة المختار فتحي أبو شريعة، كبير العائلة يعطي شعوراً بالأمان في أعتى الظروف، وحينئذ، ألقت الطائرات الحربية العشرات من القنابل الكبيرة،
لو كُتبت لك النجاة من الشظايا فلن تنجو من الركام، ولو علقت تحت الأنقاض، فلن تنجو من الجوع والعطش، ولو وصلتك الإمدادات من السكان المرعوبين، فلن يتمكنوا من رفع الحجر من فوق جسدك لغياب أدوات الإنقاذ،لا مفر من الهلاك..قُتل الجميع، الجميع قُتلوا.
ما يحملونه مغطّى بالأعلام ، في هذا الموكب الجنائزي الأكبر في تاريخ غزة ، ليس جثامين شهداء ، بل رفاة وبقايا عظام تحلّلت منها الأجساد مع الزمن، ولن ولم يهتز العالم..أي مكان في الدنيا ذاك الذي ترتكب فيه جريمة مماثلة ويكون رد فعل الناس هو الصمت؟
بل ان من ارتكب الجريمة منذ زمن استباح دمنا ولم يوقفه أحد لأنه يضع القوانين وهو فوقها لأنها شريعة الغاب.
112 إنسان دُفنوا على مرّات أولى تحت نيران القصف، وثانية أسفل الركام، واليوم مرّة ثالثة تحت التراب..
112 إنسان كانوا بشرًا مثلنا لهم حياة وأحلام، ماض وذكريات..
112 روح تعلّقوا حتى اللحظة الأخيرة بجوار عربي ومسلم ودولي ظنّوا أنه سوف ينقذهم.. فكان ذلك مصيرهم..نلعن العدو مرة، ونلعن من خذلهم ألف ألف مرةّ.
ومضت السنوات، وتبقت صرخةٌ وداعٍ أخيرة لم تدوي، كمشة أرزٍ لم تلقه النساء من شرفات المنازل في لحظة الفراق الأخيرة، تبقت زغرودة تُعمّد فيها الفاجعة، وكان اليوم أوانها …
بعد ثلاث سنوات من الإبادة المستمرة، يخرج ١١٢ شهيدًا معًا من تحت السقوف المهدمة، ومن بين الأرض والركام، إلى الشمس والنور الأبدي. أما نحن، فما زلنا عالقين هنا، على بواباتٍ مغلقة، وفي طوابير البنزين، والماء، والهواء، والذل، وفي حدادٍ مفتوح لا يعرف نهاية.
بحثتُ اليوم عن أسمائكم، فلم أجد سوى وصفٍ يتكرر: “الجنازة الأكبر”. كأن أسماءكم غابت مرةً أخرى تحت ركام الأرقام والعناوين.
ليتها كانت الجنازة الأكبر لخوفنا، وعجزنا، وضياعنا، وقلة حيلتنا، ولخذلانٍ نحمله منذ ثلاث سنوات، ونحن لا نملك إلا أن ننظر إلى جثامينكم، ونعدَّ الغائبين واحدًا تلو الآخر.
سلامًا أيها الشهداء، سلاماً لفلسطين التي نحملها على أكفنا، لا لندفنها، بل لنغرسها زيتوناً في قلب الأرض التي لن يتوقف نبضها أبداً.
المصدر: إذاعة صوت الوطن
الكلمات المفتاحية: عائلات أبو شريعة والحساينة, الشهداء تحت الركام, الصحفية شيماء ناصر الدرة, الجنازة الأكبر في غزة, المأساة الإنسانية, غزة, الضحايا, الركام, الحرب على غزة, حرب الإبادة في غزة, 112 شهيدًا.