غزة – خاص إذاعة صوت الوطن– أنسام القطاع
في قطاع غزة المحاصر، لم يعد الدم مجرد شريان حياة، بل تحول إلى “عملة مفقودة” تحدد مصير آلاف الجرحى يوميًا. فمع استمرار العدوان وتزايد الإصابات، تنهار المنظومة الصحية أمام نقص حاد في وحدات الدم، فيما يعجز المواطنون عن التبرع بسبب المجاعة وسوء التغذية التي أنهكت أجسادهم. وبين جرحى يفقدون أطرافهم بسبب تأخر العمليات، وأطباء يعملون داخل خيام بلا إمكانيات، يطل شبح كارثة صحية وشيكة تهدد ما تبقى من حياة في غزة.
قصة جريح تختصر المأساة
عثمان محمود، شاب ثلاثيني من مخيم جباليا، خرج في يوم مشؤوم نحو معبر “زكييم” باحثًا عن دقيق يسد جوع أبناء شقيقه الذين يتمتهم الحرب. لكن رحلة البحث عن القوت تحولت إلى مأساة بعدما مرت شاحنة فوق قدميه، لتبدأ رحلة طويلة من الألم.
دخل غرفة العمليات وهو ينزف بغزارة، وتم تزويده بوحدتي دم بعدما انخفض مستوى دمه إلى (5). قرر الأطباء تركيب بلاتين في ساقه اليمنى لإنقاذها، لكن الظروف لم تسعفه في الأخرى التي تم بترها. احتاج عثمان لاحقًا إلى مزيد من الدم، غير أن عملياته تأجلت مرارًا بسبب النقص، حتى انتهى الأمر ببتر ساقه اليسرى بعد تعفنها.
يقول عثمان لإذاعة صوت الوطن: “كل مرة كانوا يؤجلون العملية لعدم توفر الدم الكافي، وحالتي كانت تتدهور يومًا بعد يوم.”
خلال شهرين فقط، احتاج إلى ثماني وحدات دم في رحلة علاجية مليئة بالانتظار والخوف. وبينما بقيت ساقه اليمنى مثبتة بالبلاتين، فقد الأخرى إلى الأبد.
انهيار النظام الصحي
ناهض أبو عاصي، عضو مجلس إدارة جمعية بنك الدم، أكد لإذاعة صوت الوطن أن الاحتلال دمّر معظم مستشفيات القطاع وأخرجها عن الخدمة، فيما يعمل ما تبقى منها بأقسام مدمّرة أو داخل خيام بدائية. وقال: “غرف العمليات الآن ليست سوى خيام، وهذا وضع غير إنساني. الأعداد الهائلة من الجرحى تفوق قدرة أي دولة على الاستيعاب.”
وأضاف أن عدد المتبرعين لا يلبي الاحتياجات، وهناك نقص شديد في أكياس الدم الفارغة، ما يعيق سحب الدم. وأوضح: “نطالب برفع الحصار فورًا والسماح بإدخال المستلزمات الطبية والوقود، فبدون كهرباء لا يمكننا فصل وحدات الدم أو فحصها.”
وأشار إلى أن الأطباء يضطرون أحيانًا لتقديم الدم للمرضى دون إجراء الفحوصات اللازمة للكشف عن أمراض خطيرة، بسبب نفاد أدوات الفحص.
أزمة متفاقمة
من جهتها، قالت صوفيا زعرب، مديرة وحدة المختبرات الطبية: “الحاجة إلى الدم تتزايد يوميًا، والقطاع يحتاج ما لا يقل عن 300 وحدة يوميًا، لكن التبرع المحلي لم يعد كافيًا بسبب الجوع وسوء التغذية.”
وأوضحت زعرب لإذاعة صوت الوطن أن الاحتلال يمنع إدخال وحدات الدم من الضفة والدول العربية بحجة حاجتها إلى تبريد خاص. وأضافت: “نناشد الجميع من الضفة والأردن والجزائر وتونس وأي جهة قادرة، العمل على إدخال وحدات دم جاهزة، لأن الوضع قد يخرج عن السيطرة.”
وأكدت أن أكثر الفصائل المطلوبة بشكل عاجل هي O موجب وO سالب، محذرة من خطر داهم على حياة المصابين يوميًا.
تفاقم معاناة المستشفيات
بدورها، قالت د. أماني أبو عودة، رئيس قسم بنك الدم في مجمع الشفاء الطبي لإذاعة صوت الوطن، إن الإصابات المتزايدة والنقص الحاد في وحدات الدم يهددان حياة آلاف الجرحى. وأوضحت أن سوء التغذية جعل أجساد المواطنين غير قادرة على تحمل التبرع، حيث يُغمى على المتبرعين بعد دقائق قليلة.
نداء عاجل
أمام هذا الواقع، يحذر الأطباء من كارثة صحية غير مسبوقة في غزة، حيث يواجه آلاف الجرحى خطر الموت أو بتر الأطراف يوميًا بسبب نقص وحدات الدم، وسط انهيار شبه كامل للبنية الصحية واستمرار الحصار الإسرائيلي.
الكلمات المفتاحية: غزة, وحدة الدم, وحدات الدم.