سلّط المهندس محمد عبد السلام، رئيس شبكة المنظمات الفلسطينية الأميركية، في قراءة تحليلية لانتخابات التجديد النصفي الأميركية لعام 2026، الضوء على التحولات السياسية التي أفرزتها الانتخابات، وفي مقدمتها استعادة الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، في انتكاسة سياسية للرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري، إلى جانب سلسلة من الاختراقات التاريخية في التمثيل السياسي للنساء والأقليات، ولا سيما العرب والمسلمين الأميركيين.
وأوضح عبد السلام أن نتائج انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني أعادت رسم خريطة التوازنات السياسية في الولايات المتحدة، وشهدت وصول شخصيات من خلفيات عرقية ودينية ومجتمعية متنوعة إلى مواقع قيادية في الكونغرس وحكومات الولايات والمجالس التشريعية، بما يعكس تحولات في بنية المشاركة السياسية الأميركية. كما تناول التداعيات المحتملة لهذه النتائج على إدارة ترامب، ومستقبل المواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس، والفرص التي يتيحها تنامي التمثيل العربي والإسلامي الأميركي في التأثير على السياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة.
فيما يلي النص الكامل للمقال:
قراءة في انتخابات التجديد النصفي الأميركية لعام 2026:
تحوّل سياسي تاريخي وفصل جديد في الديمقراطية الأميركية
المهندس محمد عبد السلام
رئيس شبكة المنظمات الفلسطينية الامريكية/ الولايات المتحدة
ستُذكر انتخابات التجديد النصفي الأميركية التي جرت في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 باعتبارها محطة بارزة في التاريخ السياسي للبلاد. فإلى جانب الصراع على السيطرة على الكونغرس، أفرزت هذه الانتخابات سلسلة استثنائية من التحولات السياسية والإنجازات التاريخية والانتصارات التي حققها مرشحون يمثلون مجتمعات واجهت تاريخياً عوائق أمام المشاركة والتمثيل السياسي. وأعادت النتائج رسم موازين القوى في واشنطن، وغيّرت المشهد السياسي في عدد من الولايات التي اعتُبرت تقليدياً معاقل للحزب الجمهوري، كما أظهرت تنامي التنوع في صفوف الناخبين الأميركيين وفي قياداتهم المنتخبة.
وكان التطور الأبرز استعادة الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلسي الكونغرس، مجلس الشيوخ ومجلس النواب، موجهاً ضربة سياسية كبيرة للرئيس دونالد ترامب خلال النصف الثاني من ولايته الرئاسية.
الديمقراطيون يستعيدون السيطرة على الكونغرس
كان من أبرز التطورات ذات الأهمية السياسية الكبيرة استعادة الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلسي الكونغرس. ففي مجلس الشيوخ، تمكن الديمقراطيون من تحقيق الأغلبية بعد فوزهم بمقاعد في عدد من الولايات التي كانت تُعد منذ فترة طويلة مناطق انتخابية صعبة بالنسبة للحزب. ومن بين أبرز هذه الانتصارات ولاية تكساس وكارولاينا الجنوبية وأوهايو وكانساس.
في تكساس، هزم المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو منافسه الجمهوري كين باكستون، ليصبح أول ديمقراطي يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ عن الولاية منذ عام 1988.
وفي كارولاينا الجنوبية، حققت الديمقراطية آني أندروز اختراقاً تاريخياً آخر، بفوزها بمقعد في مجلس الشيوخ لم يتمكن الديمقراطيون من الفوز به خلال القرن الحادي والعشرين.
وفي كانساس، هزم الديمقراطي آدم هاميلتون السيناتور الجمهوري الحالي روجر مارشال، محققاً أول فوز ديمقراطي بمقعد الولاية في مجلس الشيوخ منذ عام 1932.
أما في أوهايو، فقد عاد شيرود براون إلى مجلس الشيوخ بعد فوزه على منافسه الجمهوري في ولاية صوّتت لصالح دونالد ترامب في ثلاث انتخابات رئاسية متتالية.
وبحسب النتائج المعلنة في 4 نوفمبر/تشرين الثاني، حصل الديمقراطيون على 54 مقعداً في مجلس الشيوخ، من بينها مقعدان لمستقلين، مقابل 44 مقعداً للجمهوريين، فيما استمر فرز الأصوات لمقعدي ولايتي ماسسيبي والاسكا. وان فاز المرشح الديمقراطي سكوت كولمب سيكون اول سانتور اسود من ولاية ماسسيبي. وان فازت ماري بيلتولا ستصبح اوا سانتور من السكان الاصليين عن ولاية الاسكا، وثاني عضومن السكان الاصليين الى جانب بيغي فلاناغان من منيسوتا.
وفي مجلس النواب، حقق الديمقراطيون أيضاً انتصاراً كبيراً، إذ بلغوا عتبة الأغلبية وأنهوا السيطرة الجمهورية على المجلس. وتمنح هذه الانتصارات الديمقراطيين السيطرة على لجان الكونغرس، والتحقيقات التشريعية، ومهام الرقابة على أداء الإدارة، فضلاً عن دور محوري في تحديد جدول الأعمال التشريعي.
تحوّل تاريخي في مناصب حكام الولايات
شهدت انتخابات حكام الولايات بعضاً من أهم الاختراقات السياسية في الانتخابات بأكملها. فللمرة الأولى في التاريخ الأميركي، انتخبت عدة ولايات نساءً وأفراداً من مجتمعات لم تحظَ تاريخياً بتمثيل كافٍ لتولي أعلى المناصب التنفيذية فيها. ومن أبرز هذه الانتصارات:
جورجيا – كيشا لانس بوتومز: أصبحت أول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة في تاريخ الولايات المتحدة، وأول امرأة وأول شخص أسود يتولى منصب حاكم ولاية جورجيا.
نيو مكسيكو – ديب هالاند: أصبحت أول امرأة من السكان الأصليين تُنتخب حاكمة لولاية أميركية.
تكساس – جينا هينوهوسا: أصبحت أول امرأة لاتينية تتولى منصب حاكم ولاية تكساس، منهية فترة طويلة من السيطرة الجمهورية على أعلى منصب في الولاية منذ عام 1988
فلوريدا – بايرون دونالدز: أصبح أول جمهوري أسود يُنتخب حاكماً لولاية في تاريخ الولايات المتحدة.
ويسكونسن – ديفيد كراولي: أصبح أول حاكم أسود في تاريخ الولاية.
أوهايو – إيمي أكتون: أصبحت أول امرأة تُنتخب حاكمة لولاية أوهايو.
تينيسي: أصبحت الجمهورية مارشا بلاكبيرن أول امرأة تُنتخب حاكمة للولاية.
كاليفورنيا – خافيير بيسيرا: مثّل انتخابه عودة حاكم من أصول لاتينية إلى أعلى منصب في الولاية بعد أجيال.
وشملت التطورات المهمة الأخرى انتخاب أو إعادة انتخاب نساء في ولايات ميشيغان ومينيسوتا وأوريغون ونيوهامبشير ورود آيلاند وأركنساس. ففي ميشيغان، فازت الديمقراطية جوسلين بنسون، بينما فازت إيمي كلوبوشار في مينيسوتا. وتعكس هذه النتائج مزيداً من التغيير في التركيبة السياسية والديموغرافية لقيادات الولايات.
وبحسب التقارير المنشورة في 4 نوفمبر/تشرين الثاني، انتخب الناخبون نساءً لمنصب الحاكم في 17 ولاية من اصل 50 ولاية، محققين رقماً قياسياً جديداً على المستوى الوطني.
اختراقات تاريخية في مجلس الشيوخ الأميركي
أفرزت انتخابات مجلس الشيوخ أيضاً محطات مهمة في تاريخ التمثيل السياسي في الولايات المتحدة. ومن أبرز هذه المحطات:
عبد الرحمن السيد – ميشيغان
أصبح عبد الرحمن السيد أول أميركي مسلم يُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغان. ويمثل فوزه محطة تاريخية للمسلمين والعرب الأميركيين، الذين توسعت مشاركتهم في السياسة الأميركية بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة.
بيغي فلاناغان – مينيسوتا
أصبحت بيغي فلاناغان أول امرأة من السكان الأصليين تُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، في محطة مهمة أخرى على صعيد تمثيل مجتمعات السكان الأصليين.
جوليانا ستراتون – إلينوي
ادى فوز جوليانا ستراتون بمقعد مجلس الشيوخ إلى وجود ثلاث نساء سوداوات في المجلس في الوقت نفسه، للمرة الأولى في التاريخ. وستنضم إلى السيناتورتين أنجيلا ألسوبروكس عن ولاية ماريلاند وليزا بلانت روتشستر عن ولاية ديلاوير.
آني أندروز – كارولاينا الجنوبية
يجعلها انتخابها أول امرأة تُنتخب لتمثيل ولاية كارولاينا الجنوبية في مجلس الشيوخ الأميركي.
اختراق مهم للعرب والمسلمين الأميركيين
كان من أبرز أبعاد انتخابات 2026 التوسع في التمثيل السياسي للعرب والمسلمين الأميركيين. وكان انتخاب عبد الرحمن السيد أول سيناتور أميركي مسلم الإنجاز الأبرز، لكن الانتصارات تجاوزت حدود ولاية ميشيغان بكثير. ومن أبرز الناجحين:
آدم حماوي، فاز بمقعد الدائرة الثانية عشرة في ولاية نيوجيرسي، ليصبح أول عضو مسلم يمثل الولاية في الكونغرس. وحماوي جرّاح أميركي من أصول مصرية، تطوع للعمل في غزة خلال حرب الابادة. (مصر).
رشيدة طليب، اعيد انتخابها لولاية جديدة لتمثيل الدائرة الثانية عشرة في ولاية ميشيغان، مواصلة حضورها التاريخي بوصفها صوتاً فلسطينياً أميركياً في الكونغرس. (بيت حنينا)
عبير قواس بمقعد في مجلس شيوخ ولاية نيويورك، مضيفة بذلك حضوراً فلسطينياً أميركياً إلى مجلس تشريعي آخر على مستوى الولايات. (غزة)
إيمان جودة – فازت بمقعد مجلس شيوخ ولاية كلورادو عن الدائرة التاسعة والعشرين، وهي أميركية من أصول فلسطينية. (لفتا)
عبد الناصر رشيد –انتخب في مجلس نواب ولاية الينوي، وهو أميركي من أصول فلسطينية (ترمسعيا)
عباس علوية انتخب في مجلس شيوخ ولاية ميشيغان، ممثلاً مدينة ديربورن والمجتمعات المحيطة بها. (لبنان)
العلباس فرحات انتخب في مجلس شيوخ ولاية ميشيغان، ممثلاً مدينة ديربورن والمجتمعات المحيطة بها.(لبنان)
نبيلة سيد، انتخبت للمجلس التشريعي في ولاية إلينوي،.(مصر)
إلهان عمر بولاية جديدة لتمثيل الدائرة الخامسة في ولاية مينيسوتا. (الصومال)
أندريه كارسون، مسلم اسود عن ولاية انديانا
لطيفة سيمون، مسلمة سوداء عن الدائرة 12 في ولاية كليفورنيا.
دارياليزا أفيلا شوفالييه بمقعد الدائرة الثالثة عشرة في ولاية نيويورك، لتصبح أول امرأة لاتينية مسلمة تُنتخب لعضوية الكونغرس.
مريم سعد بزي –انتخبت قاضية في محكمة الاستئناف في ولاية ميشيغان. (لبنان)
كما يضاف لهولاء الفائزين سبعة عشر (17) من المرشحين المسلمين من بلدان اسلامية غير عربية للمجالس التشريعية للولايات التي يقيمون فيها.
وتُظهر هذه الانتصارات تزايد مشاركة العرب والمسلمين الأميركيين في المؤسسات السياسية للبلاد، بدءاً من الحكومات المحلية والمجالس التشريعية للولايات وصولاً إلى أعلى مستويات التمثيل الاتحادي. كما تعكس تنامي التأثير السياسي لمجتمعات باتت تنظم جهودها بصورة متزايدة حول قضايا الحقوق المدنية والعدالة الاقتصادية والرعاية الصحية والهجرة والسياسة الخارجية الأميركية.
التداعيات السياسية على دونالد ترامب
تُعد انتخابات التجديد النصفي تقليدياً، إلى حد ما، استفتاءً على الرئيس الحالي وأداء إدارته. وتمثل نتائج انتخابات 2026 انتكاسة كبيرة للرئيس ترامب والحزب الجمهوري. وكان ترامب قد دعا الناخبين علناً إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها تقييماً لرئاسته. ولذلك، فإن خسائر الجمهوريين في الكونغرس وفي عدد من الولايات التي اعتُبرت تقليدياً معاقل لهم تحمل تداعيات تتجاوز النتائج الانتخابية المباشرة.
ومع سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس، ستواجه الإدارة رقابة أشد من الكونغرس، ومعارضة أقوى لبعض المبادرات التشريعية، ونقاشات أكثر حدة حول الإنفاق الاتحادي والمساعدات الخارجية والهجرة والسياسة الاقتصادية.
ومع ذلك، يحتفظ الرئيس بسلطاته التنفيذية وبحق استخدام الفيتو ضد التشريعات. ومن المتوقع بالتالي أن يؤدي التوازن الجديد داخل الكونغرس إلى مرحلة من المفاوضات السياسية المكثفة والمواجهات بين المؤسسات.
النساء ومجتمعات الأقليات يعيدون تشكيل التمثيل السياسي الأميركي
كان من السمات البارزة الأخرى لانتخابات 2026 عدد الحواجز التي تمكنت النساء ومرشحو الأقليات من تجاوزها. إن انتخاب أول امرأة سوداء لمنصب حاكم ولاية، وأول امرأة من السكان الأصليين لهذا المنصب، وأول سيناتور مسلم، إلى جانب عدد من المرشحين الآخرين الذين حققوا إنجازات تاريخية، يعكس توسعاً مهماً في تنوع القيادة السياسية الأميركية.
كما يشكل انتخاب حكام سود في جورجيا وفلوريدا وويسكونسن فصلاً جديداً في تاريخ التمثيل السياسي للسود على مستوى الولايات. ولم تتحقق هذه الإنجازات بين ليلة وضحاها، بل جاءت نتيجة عقود من التنظيم المجتمعي والنضال من أجل الحقوق المدنية والمشاركة السياسية والجهود الرامية إلى جعل المؤسسات الأميركية أكثر تعبيراً عن السكان الذين تخدمهم.
ماذا بعد؟
سيبدأ الكونغرس الجديد أعماله في يناير/كانون الثاني 2027. وسيكون التحدي المباشر أمام الديمقراطيين هو تحويل انتصاراتهم الانتخابية إلى إنجازات تشريعية ملموسة. فالسيطرة على الكونغرس لا تضمن تلقائياً التوافق على جميع القضايا داخل الحزب الديمقراطي، الذي يضم تيارات أيديولوجية مختلفة ومصالح إقليمية وأولويات سياسية متباينة. وفي الوقت نفسه، سيتعين على الجمهوريين إعادة تقييم استراتيجيتهم الانتخابية وقيادتهم وعلاقتهم بالرئيس، في أعقاب الخسائر الكبيرة التي تكبدوها.
أما بالنسبة إلى المجتمعات العربية الأميركية والمسلمة الأميركية، فتفتح هذه الانتخابات فصلاً جديداً في التمثيل والمشاركة السياسية. إن انتخاب أول سيناتور مسلم، إلى جانب الانتصارات في انتخابات الكونغرس والمجالس التشريعية للولايات، يتيح فرصاً إضافية لهذه المجتمعات للمشاركة في النقاشات المتعلقة بالسياسات الوطنية.
وسيكون مدى تحول هذا التمثيل المتزايد إلى تغييرات في السياسات الداخلية والخارجية أحد الأسئلة المهمة خلال السنوات المقبلة.
وتتمثل الرسالة الأوسع لهذه الانتخابات في أن الحياة السياسية الأميركية تواصل تطورها؛ فالناخبون يتغيرون، وتبرز أجيال جديدة من القيادات السياسية، كما تتعرض المسلّمات السياسية الراسخة للتحدي.
لم يكن الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 مجرد انتخابات تجديد نصفي عادية، بل كان محطة سياسية تاريخية غيّرت موازين القوى في واشنطن وفتحت فصلاً جديداً في تمثيل مكونات المجتمع الأميركي.
الكلمات المفتاحية: شبكة المنظمات الفلسطينية الأميركية., الانتخابات الأميركية, نتائج الانتخابات الأميركية, مجلس الشيوخ, مجلس النواب, انتخابات التجديد النصفي الأميركية 2026, العرب الأميركيون, المسلمون الأميركيون, غزة, التمثيل السياسي للنساء, دونالد ترامب, الأقليات في الولايات المتحدة, الحزب الديمقراطي, محمد عبد السلام, الكونغرس الأميركي.