• الرئيسية
  • keyboard_arrow_right أخبار
  • keyboard_arrow_right «صحاب الأرض»… دراما فلسطينية تستحضر ذاكرة الحرب وتحوّل الألم إلى شهادة إنسانية

أخبار

«صحاب الأرض»… دراما فلسطينية تستحضر ذاكرة الحرب وتحوّل الألم إلى شهادة إنسانية

wesam 24 فبراير، 2026


Background
share close

غزة– إذاعة صوت الوطن 

أثار مسلسل «صحاب الأرض» تفاعلًا واسعًا مع انطلاق عرضه في موسم دراما رمضان، بعدما تجاوز كونه عملًا تلفزيونيًا تقليديًا ليقدّم سردية درامية عن الحرب والذاكرة في غزة. العمل، الذي يتناول تداعيات الحرب الأخيرة وما خلّفته من فقدٍ جماعي وندوب نفسية عميقة، أعاد إلى الواجهة شهادات إنسانية حيّة عن الحصار، واستهداف المستشفيات، وتجارب النزوح والفقدان.

ويرى مراقبون أن المسلسل نجح في مقاربة المعاناة الفلسطينية بلغة درامية متماسكة، بعيدة عن المبالغة أو استدرار العاطفة، مع تركيز واضح على كرامة الضحايا وحضور الذاكرة بوصفها عنصرًا أساسيًا في السرد. كما استحضر العمل رمزية أغنية «يمة مويل الهوا»، التي شكّلت لعقود جزءًا من الوجدان الوطني الفلسطيني، لتواكب الحكاية الدرامية وتمنحها بعدًا ثقافيًا وتاريخيًا.

ويؤكد متابعون أن «صحاب الأرض» يعكس تحوّل الفن الفلسطيني من مساحة ترفيهية إلى منصة توثيق وشهادة، في ظل استمرار تداعيات الحرب على قطاع غزة، ما يجعله أحد أبرز الأعمال التي أثارت نقاشًا حول دور الدراما في توثيق الصراع والذاكرة الجماعية. فيما يلي النص الكامل للمقال:

«صحاب الأرض»… الدراما حين تصير شهادة على الوجع الفلسطيني 

بقلم: وسام زغبر 

كاتب صحفي وعضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين 

لم يكن «صحاب الأرض» عملًا دراميًا عابرًا في موسم رمضان، بل بدا أقرب إلى شهادة حيّة على زمنٍ مفتوح الجراح. لم نتابعه بوصفنا جمهورًا يجلس خارج الحكاية، بل كأناسٍ عاشوا تفاصيلها، ودفعوا أثمانها من دمهم وذاكرتهم. أعادنا المسلسل إلى حرب الإبادة التي لم تبرح أرواحنا، إلى الموت المتكرر، إلى الفقد الذي صار جزءًا من يومياتنا، وإلى صورٍ لا تنطفئ مهما حاولنا المضيّ إلى الأمام.

أستعيد واحدة من أقسى لحظات حياتي حين حوصِر أحد مراكز الإيواء في غزة، وانقطعت أخبار أهلي داخله. يومان كاملان بلا معلومة، بلا اتصال، بلا ما يطمئن القلب. كان الزمن متجمّدًا، والاحتمالات السوداء تتكاثر في الرأس. وعندما وصلني خبرٌ عنهم أخيرًا، لم يكن ذلك كافيًا ليمحو أثر تلك الساعات الثقيلة. النجاة كانت مؤقتة، لكن الخوف استقرّ في الروح كندبةٍ لا تزول.

ما فعله «صحاب الأرض» أنه أعاد هذه الذاكرة إلى السطح بصدقٍ ومسؤولية. لم يبتزّ الألم، ولم يتكئ على المبالغة، بل قدّم المعاناة بكرامة إنسانية واضحة. كان الأداء متماسكًا وعميقًا، منح الشخصيات لحمًا ودمًا، وجعل الحكاية أقرب إلى الواقع منها إلى التخييل.

غير أن الشاشة لم تكن وحدها من يستدعي الألم. الذاكرة الخاصة كانت حاضرة بثقلها.

أتذكّر استشهاد ابن شقيقتي يحيى في 26 آذار/مارس 2024 (16 رمضان)، وهو يؤدي واجبه في قسم التمريض خلال محاصرة مستشفى ناصر في خانيونس. انقطعت أخباره تمامًا، وعشنا أيامًا بين رجاءٍ وخشية، حتى فُكّ الحصار وعُرف المصير. دُفن في ساحة مستشفى غزة الأوروبي جنوب القطاع، وكأن الفقد احتاج إلى فصلين: فصل الاستشهاد، وفصل الوداع المؤجّل.

ثم جاء الوجع مضاعفًا باستشهاد شقيقه كرم في 31 آب/أغسطس 2025، حين وصلني نبأ رحيله وهو ممدّد بدمائه في قسم الاستقبال بمستشفى الشفاء في غزة. بكينا كثيرًا. لم يكن البكاء ضعفًا، بل فعل إنساني في مواجهة مشهد يتكرّر حتى يكاد يُفرغ الدهشة من معناها.

«يمة مويل الهوا»… حين يلتقي النشيد بالذاكرة

في سياق عرض «صحاب الأرض»، عاد صدى أغنية «يمة مويل الهوا» ليحضر بقوة، كأن التراث نفسه يواسي الحاضر. الأغنية التي شكّلت منذ سبعينيات القرن الماضي نشيدًا للكرامة الفلسطينية، لم تفقد رمزيتها، بل ازدادت وضوحًا في زمن الحرب الشاملة على غزة وتصاعد القمع في الضفة الغربية.

حين تقول الكلمات: «ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيّا»

فهي لا تقدّم استعارة شعرية فحسب، بل تعبّر عن خيار وجودي لشعبٍ يُدفع يوميًا إلى حافة الفناء، فيختار الكرامة شرطًا للحياة. وحين يتردّد: «بارودة الجبل أعلى من العالي»

فإن العلوّ هنا ليس علوّ سلاح، بل علوّ معنى، وارتفاع أخلاقي في وجه محاولات الإخضاع والمحو.

المسلسل والأغنية يلتقيان في نقطة جوهرية: الكرامة قبل الأمان المؤقت، والحرية قبل الحياة المنزوعة المعنى. كما يبرزان صورة الأم الفلسطينية بوصفها مركز الحكاية لا هامشها؛ «يمة» ليست مجرد نداء، بل استعارة للوطن الحاضن، الصابر، الذي يقف على تخوم الفقد دون أن ينكسر.

الفنّ بوصفه دفاعًا عن الوجود

يؤكد «صحاب الأرض» أن الفن في السياق الفلسطيني ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية. إنه مساحة لحفظ الذاكرة من التبديد، وصون المعنى من التشويه. الدراما هنا لا تكتفي بسرد الألم، بل تحوّله إلى شهادة، وإلى فعل مقاومة رمزية في وجه النسيان.

هذا العمل يستحق المشاهدة لأنه يتجاوز حدود الترفيه إلى فضاء الشهادة الإنسانية. إنه مرآة لذاكرةٍ لم تلتئم، وصوت يذكّر بأن الحرية والكرامة ليستا شعارات، بل شرطين للبقاء.

في النهاية، تتلاقى الشاشة مع النشيد في رواية واحدة: رواية شعبٍ يصرّ على أن يعيش بكرامة، حتى في أكثر الأزمنة ظلمة، وأن يجعل من الفن وثيقة حياة في مواجهة المحو.

الكلمات المفتاحية: .

الخبر السابق