في ظل الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب في قطاع غزة، لا تقتصر تحديات المرحلة المقبلة على إعادة بناء المنازل والبنية التحتية والمنشآت المدمرة، بل تمتد إلى إعادة بناء اقتصاد أنهكته الحرب والحصار والندرة.
وفي هذا السياق، يطرح أ.د. سمير مصطفى أبو مدلله، أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر–غزة وعضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، سؤالاً محورياً: هل تتحول أموال إعادة الإعمار إلى فرصة لإنعاش الاقتصاد وبناء نموذج تنموي أكثر عدالة، أم تعيد إنتاج شبكات المصالح والاحتكار التي نشأت في ظل اقتصاد الحرب؟
ويحذر أبو مدلله من أن ضخ مليارات الدولارات في مشاريع الإعمار، من دون منظومة صارمة للشفافية والمنافسة والرقابة والمساءلة، قد يفتح الباب أمام احتكار العقود والسلع وظهور مراكز نفوذ جديدة. ويؤكد أن نجاح إعادة الإعمار لا يقاس بعدد المباني التي ستُعاد، بل بقدرتها على إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، وخلق فرص العمل، وتحقيق التنمية، وضمان وصول أموال الإعمار إلى مستحقيها بعيداً عن المحاباة والاستغلال.
وفي مقاله، يدعو إلى وضع قواعد الحوكمة والرقابة منذ اليوم الأول، حتى لا تنتهي الحرب بينما يستمر «اقتصاد الحرب» بأدوات ومصالح جديدة، مؤكداً أن غزة تحتاج إلى إعادة بناء اقتصادها بقدر حاجتها إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب.
فيما يلي النص الكامل للمقال:
من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإعمار… هل تتكرر المأساة؟
أ.د. سمير مصطفى ابومدلله
جامعة الأزهر – غزة
عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين
لم تنتهِ تداعيات الحرب على غزة بانتهاء القصف والدمار، ولن تنتهي بمجرد توقف العمليات العسكرية. فالحرب لا تترك وراءها الضحايا والمنازل المدمرة والمنشآت الاقتصادية المنهارة فقط، بل تترك أيضاً اقتصاداً مشوهاً، وأسواقاً مضطربة، وشبكات مصالح تشكلت في ظل الندرة والحصار وانهيار النشاط الإنتاجي.ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن
نطرحه منذ الآن، وقبل أن تبدأ عملية إعادة الإعمار على نطاق واسع، هو: هل سنعيد بناء غزة فقط، أم سنعيد أيضاً إنتاج الاقتصاد الذي تشكل خلال سنوات الحرب؟فهذه ليست مسألة افتراضية. وتجارب الدول الخارجة من النزاعات تشير إلى أن مرحلة ما بعد الحرب قد تخلق اقتصاداً جديداً قائماً على تدفق الأموال والمساعدات والمشاريع والعقود، وقد تتحول إعادة الإعمار نفسها إلى مصدر جديد للربح والاحتكار إذا غابت الشفافية والمنافسة والرقابة.
ومن المتوقع أن تحتاج غزة إلى موارد مالية ضخمة لإعادة بناء المساكن والبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية وشبكات المياه والكهرباء والصحة والتعليم. وهذه الأموال، إذا أُديرت بطريقة سليمة، يمكن أن تكون نقطة لإحياء الاقتصاد ، وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية، وخلق فرص العمل وتحريك عجلة التنمية.لكن الخطر يكمن في أن تتحول أموال الإعمار إلى سوق مغلقة تتحكم فيها مجموعة محدودة من الشركات أو التجار أو الوسطاء أو أصحاب النفوذ. فإذا احتُكرت مواد البناء، أو جرى التحكم في الاستيراد والتوريد، أو أُسندت المشاريع بعيداً عن المنافسة العادلة، فإننا سنكون أمام نسخة جديدة من اقتصاد الحرب ولكن بأدوات مختلفة.وهنا يجب أن يكون واضحاً أن إعادة الإعمار ليست غنيمة، وليست فرصة لتوزيع العقود على أصحاب العلاقات والنفوذ، وإنما حق وطني عام يجب أن يخضع لأعلى درجات الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص.خلال الحرب ظهرت أشكال متعددة من الوساطة والسمسرة والعمولات نتيجة صعوبة الوصول إلى السلع والخدمات، والخوف اليوم هو أن تنتقل بعض هذه الشبكات إلى مرحلة الإعمار، فتتحول من وسطاء في اقتصاد الحرب إلى وسطاء في اقتصاد الإعمار. وبدلاً من أن تكون الأولوية للشركات الأكثر كفاءة وقدرة على التنفيذ، قد تصبح الأولوية لمن يمتلك العلاقات أو النفوذ أو القدرة على الوصول إلى مراكز القرارومصادر التمويل.لذلك فإن المطلوب هو وضع قواعد واضحة قبل تدفق أموال الإعمار، تتضمن الإعلان عن المشاريع وقيم العقود وشروط المناقصات وأسماء الشركات الفائزة وآليات التنفيذ ونسب الإنجاز وأوجه الإنفاق، إلى جانب إخضاع الأموال لرقابة مستقلة، ومنع تضارب المصالح، وتعزيز دور القضاء والجهات الرقابية، وإتاحة المعلومات للرأي العام.فالمواطن الذي دفع ثمن الحرب من منزله ودخله وأمنه الغذائي، من حقه أن يعرف أين تذهب أموال إعادة الإعمار، ومن ينفذ المشاريع، وكيف يتم اختيار الشركات، وما التكلفة الحقيقية لكل مشروع.والأهم أن إعادة الإعمار يجب ألا تختزل في إعادة بناء المباني والبنية التحتية فقط. غزة تحتاج إلى إعادة بناء اقتصادها الإنتاجي أيضاً، من خلال إعادة تشغيل المصانع، ودعم الزراعة، وإحياء المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وإعادة بناء سلاسل التوريد، وخلق فرص العمل، وتوفير بيئة استثمارية عادلة، وربط الإعمار بالتنمية وليس فقط بإزالة آثار الدمار.فإذا أُعيد بناء آلاف المنازل دون إعادة بناء فرص العمل ومصادر الدخل، فسنكون قد أعدنا بناء الحجر وتركنا الإنسان أسيراً للفقر والبطالة والحاجة.
وهناك خطأ آخر يجب تجنبه، وهو السماح بظهور طبقة اقتصادية جديدة راكمت الثروة خلال الأزمات، ثم تستخدم هذه الثروة للسيطرة على سوق الإعمار وقطاعات واسعة من الاقتصاد.وليس المقصود هنا تجريم من حقق أرباحاً مشروعة، وإنما التمييز بوضوح بين الربح المشروع وبين الأرباح القائمة على الاحتكار أو استغلال حاجة المواطنين أو النفوذ أو المال العام. فالسوق الحرة لا تعني حرية استغلال الناس،والمنافسة لا تعني السماح لمن يملك المال والنفوذ بالسيطرة على قوت المجتمع.ومن هنا، فإن أي محاولة لاحتكار مواد البناء أو السلع الأساسية، أو التلاعب بالأسعار، أو اصطناع الندرة، أو استغلال أموال الإعمار لتحقيق أرباح غير مشروعة، يجب أن تواجه بحزم قانوني ورقابي واضح، بعيداً عن الانتقائية والمحاباة.وهذه رسالة واضحة لكل من يفكر في تحويل مرحلة إعادة الإعمار إلى فرصة جديدة للإثراء غير المشروع: غزة ليست سوقاً للغنائم، وأموال الإعمار ليست مالاً مباحاً، واحتياجات الناس بعد الحرب ليست فرصة للمضاربة والاحتكار.ومن يستغل حاجة الناس، أو يحتكر قوتهم، أو يتلاعب بالأسعار، أو يستولي بصورة غير مشروعة على عقود ومشاريع الإعمار، يجب أن يدرك أن ما قد يمر في ظروف الفوضى لن يكون بمنأى عن المساءلة عندما تستعيد المؤسسات والقانون قدرتهما على الرقابة والمحاسبة.ورغم حجم الكارثة، فإن مرحلة ما بعد الحرب يمكن أن تكون فرصة لإعادة صياغة الاقتصاد الفلسطيني في غزة على أسس أكثر عدالة وكفاءة؛ اقتصاد منتج بدلاً من اقتصاد يعتمد على المساعدات، وسوق تقوم على المنافسة بدلاً من الندرة، ومؤسسات يحكمها القانون بدلاً من شبكات المصالح.لكن ذلك لن يحدث تلقائياً. فالأموال وحدها لا تصنع التنمية، والمشاريع وحدها لا تبني اقتصاداً سليماً. ما يصنع الفرق هو الحوكمة والشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون.لقد كشفت الحرب حجم هشاشة الاقتصاد الغزي، وكشفت في الوقت نفسه كيف يمكن للندرة والانهيار الاقتصادي أن يصنعا فرصاً استثنائية للربح. والدرس الذي يجب ألا ننساه هو أن انتهاء الحرب لا يعني انتهاء اقتصاد الحرب.قد تتغير الأدوات ومصادر الأموال وطبيعة النشاط الاقتصادي، لكن المصالح يمكن أن تستمر إذا لم تتم مواجهتها بالقانون والشفافية.لذلك يجب أن يبدأ النقاش حول اقتصاد ما بعد الحرب من الآن، لا بعد وصول أول شحنة من أموال الإعمار، وأن تكون هناك رؤية اقتصادية وطنية واضحة تحدد أولويات الإعمار، وآليات التمويل، وأسس توزيع المشاريع، ومعايير اختيار الشركات، وقواعد المنافسة، وآليات الرقابة والمساءلة.
إن أموال إعادة الإعمار يجب أن تتحول إلى رافعة لإعادة بناء الاقتصاد الفلسطيني، لا إلى وسيلة لإعادة إنتاج الفقر والاحتكار وتراكم الثروة في أيدي قلة.غزة لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل تحتاج إلى منع إعادة بناء اقتصاد الحرب بأدوات جديدة.فإعادة الإعمار يجب أن تكون مشروعاً وطنياً لبناء اقتصاد أكثر عدالة وإنتاجاً، لا مناسبة لإعادة توزيع الثروة والنفوذ.وإذا لم نضع قواعد واضحة وشفافة لإدارة أموال إعادة الإعمار منذ اليوم الأول، فقد تنتهي الحرب، لكن اقتصاد الحرب لن ينتهي.أما من يعتقد أن معاناة الناس ستكون جسراً إلى ثروته، وأن فوضى الحرب ستمنحه حصانة دائمة، فعليه أن يدرك أن المال الذي يُجمع من استغلال حاجة الناس ليس انتصاراً اقتصادياً، وأن ملفات الاحتكار والإثراء غير المشروع لا ينبغي أن تُغلق بانتهاء الحرب. فالعدالة قد تتأخر، لكنها لا تسقط، ولا تنتهي بانتهاء الأزمة.إن غزة تستحق أن تُبنى من جديد، تستحق أيضاً اقتصاداً جديداً؛ اقتصاداً لا يكون فيه الفقر فرصة للثراء، ولا الإعمار غنيمة، ولا النفوذ بديلاً عن القانون .
الكلمات المفتاحية: الاعمار, اقتصاد, اقتصاد الحرب, غزة.