• الرئيسية
  • keyboard_arrow_right أخبار
  • keyboard_arrow_right «بدي أرجع بنت»… صرخة قاصرات دفعت بهن الحرب إلى الأمومة

أخبار

«بدي أرجع بنت»… صرخة قاصرات دفعت بهن الحرب إلى الأمومة

wesam 30 مارس، 2026


Background
share close

من الخيمة إلى غرفة الولادة… حكايات قاصرات في غزة تحت ضغط النزوح والخوف

تقرير إخباري | غزة – خاص إذاعة صوت الوطن – حنين الجاجة |

في قطاع غزة، وبين الخيام المتلاصقة التي تحوّلت إلى مأوى لآلاف العائلات، تتكشّف ظاهرة ثقيلة تتسع بصمت، هي زواج القاصرات وما يتبعه من ولادات مبكرة لفتيات ما زلن يعشن بدايات أعمارهن. ورغم أن الحرب فرضت إيقاعها على كل تفاصيل الحياة، فإن أثرها على الفتيات كان أشدّ حدّة، إذ دفعتهن الظروف القاسية نحو مسارات لم يتهيأن لها يومًا.

خلال جولة ميدانية أجرتها إذاعة «صوت الوطن»، جلست أمامنا فتاة لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها. كانت تنظر إلى الأرض أكثر مما تنظر إلى الوجوه، وتشدّ طرف عباءتها بيديها النحيلتين. وعلى الرغم من أن آثار الولادة لم تغادر جسدها بعد، فإنها حاولت أن تبدو قوية. قالت بصوت منخفض، وكأنها تعتذر عن ضعفٍ لا تملكه: «كنت بنت… وفجأة صار في بيت وزواج ومسؤولية. ما كنت فاهمة شو يعني أصير زوجة، ولا شو بيصير بالجسم».

لم تكن هذه الجملة استثناءً، بل تكررت بصيغ مشابهة لدى العديد من الفتيات اللواتي التقت بهن مراسلة إذاعة «صوت الوطن». فزواجهن لم ينبع من رغبة أو قناعة شخصية، بل جاء نتيجة خوفٍ متواصل، ونزوحٍ متكرر، وضغطٍ عائلي يرى في الزواج وسيلة للهروب من واقعٍ يزداد قسوة. ولأن الحرب سلبت البيوت والمدارس والأمن، باتت بعض العائلات تعتبر الزواج بابًا لحماية ابنتها، حتى لو كان هذا الباب يفتح على مسؤوليات أكبر من قدرتها.

إحدى الأمهات في مركز إيواء بالمحافظة الوسطى قالت لإذاعة «صوت الوطن» بلهجة صادقة تحمل الكثير من القلق: «خفت عليها. البيت راح، والقصف ما وقف، والبنت بتضل طول اليوم برا الخيمة. قلت يمكن زواجها يحميها». غير أن ما حدث لاحقًا أثبت أن تلك الحماية كانت شكلية فقط، إذ انتقلت الفتاة من خوفٍ إلى آخر، ومن ضياعٍ إلى ضياعٍ أعمق. ففي كثير من الحالات، كان الزوج أكبر سنًا، أو غير قادر على تحمّل ضغط الحرب، ما جعل الفتاة تتحمل مسؤوليات لا تشبه عمرها ولا طاقتها.

وفي عيادة ميدانية أُقيمت قرب أحد المخيمات في المحافظة الوسطى، تحدثت ممرضة كانت تتنقل بين أسرّة لا تتسع لعدد الحوامل. قالت لإذاعتنا بصوت يمزج بين الإرهاق والدهشة: «بيجونا بنات 15 و16 سنة… لما يدخلوا غرفة الولادة بيكونوا مرعوبات. الجسد صغير، والمعلومات قليلة، والخوف كبير. كثير منهن ما بيعرفن يتعاملوا مع الألم».

أصبحت الولادة المبكرة للقاصرات جزءًا من المشهد اليومي داخل المراكز الصحية. فبين النزيف الشديد، وسوء التغذية، والخوف من لمس المولود، تتعمّق الصدمة التي تعيشها الفتاة. فهي لم تخرج بعد من طفولتها، لكنها تُدفَع فجأة إلى رعاية طفل يحتاج إلى أم ناضجة، لا إلى طفلة تبحث هي نفسها عمّن يرعاها.

ومع توقف التعليم لعامين كاملين، تراجعت الفرص التي كانت تمنح الفتيات مساحة للحلم والانتظار. فالمدرسة التي كانت تشكّل حاجزًا أمام الزواج المبكر، اختفت من حياتهن. ومع غيابها، تلاشت الحدود التي كانت تحمي الفتاة من اتخاذ قرار لا يناسب عمرها. والتقت مراسلة إذاعة «صوت الوطن» بمعلمة نازحة داخل خيمة قرب مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، حيث قالت بمرارة واضحة: «البنت اللي كانت تحكي لي بدها تصير طبيبة، اليوم بتقول بدها تتزوج بس عشان ترتاح. الحرب قلبت المعايير كلها».

وكان الفقر أحد أبرز العوامل التي دفعت هذه الظاهرة إلى التوسع. فالعائلات التي فقدت مصادر دخلها لم تعد قادرة على توفير احتياجاتها الأساسية، لذلك اعتبر البعض أن الزواج المبكر يخفف عنهم عبئًا اقتصاديًا، ولو كان ذلك على حساب طفلة. وقالت عاملة اجتماعية في أحد مخيمات النزوح لمراسلتنا بوضوح: «العيلة بتفكر إنها بتخفف الحمل عنها… بس الحقيقة إنهم بيحطّوه كله على ظهر بنت صغيرة».

وبين ممرات الخيام الضيقة، ظهرت أمامنا فتاة في السابعة عشرة تهدهد طفلها، وهي تحاول إخفاء دموعها. كانت تتحدث بصوت منخفض، وكأنها تخشى أن يفضحها الحزن: «أنا خايفة من الولادة الثانية… أنا أصلًا ما كنت جاهزة للأولى. بدي أرجع بنت. بدي أرجع أدرس».

هذه الأصوات ليست فردية، بل تعبّر عن واقع كامل يتشكّل تحت ضغط الحرب. فالقاصرات يجدن أنفسهن بين مسؤوليات أكبر من أعمارهن، وأجساد لم تكتمل بعد، وأحلام دُفنت قبل أن تبدأ. وبينما تتسع الخيام وتضيق الحياة، تدفع الفتيات ثمنًا لا يُقاس، ثمنًا لا يُعلن، وثمنًا لا ينتهي.

وفي ختام الجولة، بقيت جملة قالتها فتاة لإذاعتنا، لم تتجاوز الخامسة عشرة، عالقة في الذاكرة: «كنت مفكّرة أكبر… بعدين أتزوج. مش أكبر لما أتزوج». هذه الجملة وحدها تكشف حجم الألم، وتختصر قصة مجتمع يُحارب للبقاء، فيما تفقد فتياته طفولتهن على أبواب الحرب.

الكلمات المفتاحية: .

الخبر السابق
close

أخبار

الهيئة الفلسطينية للسياحة تحذر من الاحتفالات الصاخبة في غزة

wesam 29 مارس، 2026

غزة، إذاعة صوت الوطن – أصدرت الهيئة الفلسطينية للمطاعم والفنادق والخدمات السياحية بياناً تحذر فيه من إقامة أي احتفالات صاخبة أو فعاليات غير مناسبة في ظل الظروف الإنسانية الحرجة التي […]

تفاصيل أكثر trending_flat