عمان، إذاعة صوت الوطن–
في ظل تصاعد الحديث عن إعادة تموضع القوات الأمريكية في منطقة الخليج، تتزايد المؤشرات على تحولات استراتيجية قد تعيد تشكيل ملامح الشرق الأوسط، وفق قراءة تحليلية قدّمها جودت مناع، الكاتب الصحفي والأكاديمي الفلسطيني.
ويشير مناع إلى أن هذا التوجه، الذي يبدو في ظاهره إجراءً عسكريًا تقنيًا، قد يخفي وراءه بداية لفراغ استراتيجي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، في ظل تراجع ميل الولايات المتحدة إلى الانخراط المباشر في صراعات المنطقة، مقابل توجه متزايد لإدارة النفوذ عن بُعد.
وبحسب التحليل، يفتح هذا التحول الباب أمام قوى إقليمية لملء الفراغ المحتمل، حيث تبرز إيران كلاعب يسعى إلى توسيع نفوذه عبر أدوات سياسية وعسكرية، بالتوازي مع تصاعد غير مسبوق في الخطاب السياسي الإسرائيلي.
فيما يلي النص الكامل للمقال:
حين تنسحب واشنطن… من يكتب خريطة الشرق الأوسط الجديدة؟
كتب جودت مناع–
ليس من قبيل المصادفة أن يتزامن الحديث عن إعادة تموضع القوات الأمريكية في الخليج العربي مع تصاعد غير مسبوق في الخطاب السياسي الإسرائيلي. ما يبدو ظاهريًا كتحول عسكري تقني، قد يكون في حقيقته بداية لفراغ استراتيجي يُعاد تصميمه بعناية.
الولايات المتحدة، التي لطالما قدّمت نفسها كضامن لأمن الخليج، تبدو اليوم أقل التزامًا، وأكثر ميلًا لإدارة الصراعات عن بُعد. لكن الفراغ الذي قد تتركه لن يبقى طويلًا دون ملء. والسؤال ليس إن كان ذلك سيحدث، بل من سيستفيد منه.
في إيران، هناك مشروع واضح لتوسيع النفوذ عبر أدوات عسكرية وسياسية. لكن القلق الأكبر قد لا يأتي فقط من طهران، بل من تل أبيب، حيث يقود بنيامين نتنياهو ائتلافًا سياسيًا لا يخفي ميله إلى إعادة تعريف حدود القوة الإسرائيلية. ورغم أن مصطلح “إسرائيل الكبرى” لا يُطرح رسميًا، إلا أن ممارسات التوسع وسياسات الأمر الواقع، المدعومة بنقاشات داخل الكنيست الإسرائيلي، تشير إلى أن سقف الطموح لا يزال مفتوحًا.
الربط بين هذين المسارين—تراجع أمريكي محتمل وطموح إسرائيلي متصاعد—لم يعد طرحًا هامشيًا. بل أصبح سؤالًا مشروعًا: هل يمكن أن يُستخدم هذا الانسحاب لإعادة ترتيب المنطقة بطريقة تمنح إسرائيل تفوقًا استراتيجيًا غير مسبوق، يمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من فلسطين؟
الاتفاقيات التي انخرطت فيها الإمارات العربية المتحدة والبحرين لم تكن مجرد خطوات دبلوماسية، بل مؤشرات على تحول أعمق في بنية التحالفات. لكن هذه التحولات، بدل أن تُنتج استقرارًا دائمًا، قد تفتح الباب أمام اختلالات جديدة في توازن القوى.
دول الخليج تجد نفسها اليوم أمام معادلة قاسية: الاعتماد على قوة خارجية لم يعد مضمونًا، والانخراط في ترتيبات جديدة قد يحمل مخاطر غير محسوبة. وبين هذا وذاك، تبدو الحاجة ملحّة إلى مشروع إقليمي مستقل، وهو ما تعكسه دعوات عبد الفتاح السيسي، والتحركات التي يقودها محمد بن سلمان لإعادة تعريف الأمن العربي.
لكن الحقيقة الأكثر إزعاجًا تظل قائمة: الشرق الأوسط لا يُعاد تشكيله في العلن فقط، بل في مناطق الظل أيضًا. وإذا كان انسحاب واشنطن جزءًا من هذا التحول، فإن تجاهل تداعياته قد يكون الخطأ الأكبر.
الكلمات المفتاحية: توازن القوى, بنيامين نتنياهو, أمن الخليج, السياسة الإسرائيلية, الإمارات العربية المتحدة, السياسة الأمريكية, عبد الفتاح السيسي, التحالفات الإقليمية, النفوذ الإيراني, محمد بن سلمان, إدارة الصراعات عن بعد, التحولات الجيوسياسية, إعادة تموضع القوات الأمريكية, إسرائيل, الخليج العربي, إيران, النفوذ الإقليمي, الشرق الأوسط, الفراغ الاستراتيجي, البحرين.