غزة– إذاعة صوت الوطن
لم تعد فضيحة جيفري إبستين مجرّد حكاية سقوط أخلاقي لرجل نافذ، بل تحوّلت إلى عدسة كاشفة لبنية السلطة في الغرب، حيث تُدار السياسة من خلف الستار، وتُستخدم العلاقات الخاصة كوسائل ابتزاز وتأثير، لا كفضائح عابرة. فحين يتشابك المال مع الاستخبارات والنخب السياسية، يصبح الصمت أداة حكم، وتتحول العدالة إلى ملف قابل للإغلاق متى هدد مراكز القرار. من هنا، لا تبدو قضية إبستين منفصلة عن مشهد أوسع، يمتد من غرف النخبة الأميركية إلى ساحات الإبادة في غزة، حيث يتكرّر النمط ذاته: حماية الأقوياء، وتعليق القانون، وغياب المساءلة باسم المصالح العليا.
وفيما يلي نص المقال كاملاً:
من شبكات إبستين إلى غزة: الابتزاز السياسي وصمت الغرب
وسام زغبر
كاتب صحفي وعضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين
لم تعد قضية جيفري إبستين تُقرأ بوصفها فضيحة جنسية لرجل أعمال نافذ، بل كمدخل كاشف لفهم آليات السلطة في الغرب المعاصر، حيث تتقاطع السياسة مع المال والاستخبارات والإعلام، وحيث تتحول العلاقات الخاصة إلى أدوات نفوذ وضغط. فالرجل الذي صُوِّر كـ«منحرف محمي»، تبيّن لاحقًا أنه كان حلقة مركزية في شبكة علاقات ضمّت مسؤولين سياسيين وأمنيين ومليارديرات، داخل الولايات المتحدة وخارجها.
مع تزايد الشهادات والتسريبات، بات من الصعب فصل اسم إبستين عن النخبة السياسية الأميركية، ولا عن العلاقة الخاصة التي تربط واشنطن بإسرائيل. فالقضية لم تكن فردية، بل بنيوية، تعكس كيف تُدار السلطة خلف الخطاب الديمقراطي، وكيف تُحمى شبكات النفوذ حين تمسّ مراكز القرار.
العلاقة بين دونالد ترامب وجيفري إبستين، الموثقة بالصور والمقاطع منذ تسعينيات القرن الماضي، تمثل نموذجًا لهذا التداخل. ورغم محاولات ترامب لاحقًا التقليل من شأن هذه العلاقة، فإن السؤال التحليلي لا يتصل بطبيعة الصداقة، بل بوظيفتها المحتملة داخل شبكات النخبة الأميركية. فترامب لم يكن استثناءً، بل جزءًا من منظومة سمحت لإبستين بالتحرك بحرية داخل دوائر التأثير.
وصول ترامب إلى الرئاسة ترافق مع تحولات استراتيجية غير مسبوقة لصالح إسرائيل، من الاعتراف بالقدس عاصمة لها، إلى شرعنة ضم الجولان، وتمرير «صفقة القرن». في هذا السياق، يصبح مشروعًا التساؤل عمّا إذا كانت بعض شبكات العلاقات الخاصة، بما تحمله من قابلية للضغط أو الإحراج، قد أسهمت في تحييد أي مساءلة سياسية حقيقية، أو في ضمان هذا الانحياز المطلق.
أما بنيامين نتنياهو، فيظهر في هذا الملف بوصفه «الحاضر غير المباشر». فغياب صور تجمعه بإبستين لا يلغي دلالة العلاقة عبر إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق وأحد رموز المؤسسة الأمنية. تقارير إعلامية غربية تحدثت عن علاقات وثيقة بين باراك وإبستين، شملت اتصالات متكررة، لقاءات خاصة، واستثمارات مشتركة. وجود شخصية بهذا الوزن في قلب الشبكة يطرح تساؤلات تتجاوز الأفراد، إلى وظيفة الشبكة نفسها، وما إذا كانت تخدم مصالح سياسية وأمنية أوسع تصب في مصلحة القيادة الإسرائيلية.
خطورة القضية تتعاظم حين نضعها في إطارها العابر للحدود. فشبكة إبستين لم تقتصر على الولايات المتحدة، بل امتدت إلى شخصيات سياسية ومالية أوروبية، مع إشارات متكررة إلى تورط أو تعرّض مسؤولين من دول أخرى، وربما عربية، للإحراج أو الابتزاز. غير أن معظم هذه الملفات لم تصل إلى القضاء، في ظل صمت متبادل تحكمه حساسية الفضيحة وتوازنات النفوذ.
في هذا السياق، تكتسب تصريحات ضابط الاستخبارات الأميركية السابق جون كيرياكو أهمية خاصة. فقد قال إن إبستين كان محميًا استخباريًا، ورجّح أنه أدى دورًا يخدم جهاز الموساد عبر إدارة شبكة ابتزاز للنخب الغربية. ورغم غياب الأدلة القضائية العلنية، فإن هذا الطرح ينسجم مع نمط معروف في عالم الاستخبارات، حيث تُستخدم العلاقات الخاصة كأدوات ضغط على من يملكون مفاتيح القرار السياسي أو الإعلامي.
حماية إبستين لسنوات، والتسويات القانونية المخففة التي حصل عليها، ثم موته الغامض داخل زنزانته عام 2019، تشير إلى أن القضية لم تُغلق قضائيًا بقدر ما أُغلقت سياسيًا. فتعطل الكاميرات وغياب الحراسة أنهيا إمكانية تفكيك الشبكة كاملة، وحماية أسماء نافذة من الظهور العلني.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن الصمت الغربي تجاه الحرب على غزة. فالدول التي ترفع راية حقوق الإنسان والقانون الدولي بدت عاجزة أو متواطئة أمام مشاهد القتل والدمار الواسع. هذا الصمت لا يُفسَّر فقط بالتحالفات الجيوسياسية، بل أيضًا بوجود منظومات نفوذ تضغط على القرار، وتُفرغ الخطاب الأخلاقي من مضمونه.
غزة، في هذا المعنى، ليست استثناءً، بل مرآة لانكشاف النظام الغربي نفسه. النظام الذي فشل في محاسبة شبكة ابتزاز داخلية، هو ذاته الذي عجز عن فرض العدالة حين تعلّق الأمر بإسرائيل. في الحالتين، تتقدم المصالح على القانون، ويُترك الضحايا بلا مساءلة.
إبستين مات، لكن الشبكات التي سمحت له بالعمل لم تُفكك.
ويبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن لمنظومة تدّعي الدفاع عن الديمقراطية أن تحافظ على مصداقيتها، بينما تُدار قراراتها من الظل، وتُصمت العدالة حين تصبح مكلفة سياسيًا؟
الكلمات المفتاحية: شبكات الابتزاز, صمت الغرب, غزة, النخب الغربية, الابتزاز السياسي, الاستخبارات الأميركية, بنيامين نتنياهو, الموساد, حقوق الإنسان, إيهود باراك, الحرب على غزة, العلاقات الأميركية الإسرائيلية, دونالد ترامب, ازدواجية المعايير الغربية, الجرائم الإسرائيلية, النظام الغربي, العدالة الدولية, مراكز النفوذ, جيفري إبستين.