غزة – إذاعة صوت الوطن
في خضم حرب الإبادة المستمرة والحصار الممتد، يبرز الشباب الفلسطيني في قطاع غزة كقوة فاعلة في الميدان الإنساني والمجتمعي والوطني، مقابل غيابٍ لافت لصوتهم في دوائر صنع القرار السياسي والمؤسسي.
فمن خطوط المواجهة الأولى، إلى فرق الإغاثة الشعبية، مروراً بالعمل الإعلامي والتطوعي وإعادة تنظيم الحياة في مخيمات النزوح، يقود الشباب مشهداً يومياً من الصمود والمبادرة، في وقت لا تزال فيه مشاركتهم في المؤسسات الوطنية والتمثيلية محدودة.
ويعيد هذا التناقض بين حجم الدور الميداني وضعف التمثيل السياسي طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وقدرته على استيعاب طاقات الجيل الشاب، لا سيما في مرحلة توصف بأنها الأخطر في تاريخ القضية الفلسطينية المعاصر.
تقرير يرصد أدوار الشباب الفلسطيني في غزة، ويبحث في فجوة التمثيل، ودور الأطر الشبابية – وفي مقدمتها اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني (أشد) – في الدفع نحو شراكة حقيقية تضمن تحويل الفعل اليومي إلى تأثير مستدام في القرار الوطني.
وفيما يلي النص الكامل للمقال:
الشباب الفلسطيني.. حينما يطغى الفعل ويغيب الصدى
بقلم: أحمد أبو حليمة
مسؤول اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني (أشد) في قطاع غزة.
بين أزقة المخيمات التي لا تنام، وعلى خطوط المواجهة التي لا تهدأ، يكتب الشباب الفلسطيني في قطاع غزة فصلاً جديداً من فصول التحرر الوطني. لعل السمة الأبرز لهذا الجيل هي تلك الفجوة المحيرة بين “حجم الفعل” و”خفوت الصوت”؛ فعلٌ يزلزل الأرض تحت أقدام المحتل، وصوتٌ غالباً ما يتم تهميشه أو تغييبه في دهاليز السياسة الرسمية وصناعة القرار.
من الانتفاضة إلى الصمود: الريادة في وجه الإعصار
لم يكن الشباب الفلسطيني يوماً مجرد “رقم” في معادلة الديموغرافيا، بل كان دوماً هو “المعادل الموضوعي” لمفهوم الثورة. منذ انتفاضة الحجارة ومروراً بانتفاضة الأقصى، وصولاً إلى الحروب والتصعيدات المتتالية التي عصفت بقطاع غزة، كان الشباب هم خط الدفاع الأول.
إن هذا الجيل الذي وُلد من رحم الحصار ونشأ على وقع القصف، استطاع أن يحوّل “المستحيل” إلى واقع معاش. في كل جولة تصعيد، لم يكتفِ الشباب بدور الضحية، بل كانوا هم المسعفين، والصحفيين الذين ينقلون الحقيقة بصدور عارية، والمبادرين الذين يعيدون ترميم ما دمره الاحتلال. إن دورهم الريادي تجاوز البعد العسكري والميداني ليصل إلى صياغة الهوية الوطنية وحمايتها من التشويه أو الذوبان في ظل الأزمات المتلاحقة.
الشباب في أتون الإبادة.. من الصمود إلى معجزة البقاء
“تأتي حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها قطاع غزة اليوم لتضع الشباب الفلسطيني أمام التحدي الأكثر كفاءة ومأساوية في تاريخنا المعاصر. في هذه الحرب، لم يكن الشباب مجرد أهداف لآلة القتل الإسرائيلية التي سعت لمحو جيل كامل، بل استحالوا إلى عصب الحياة الوحيد في مدن الخيام وحطام المنازل. إنهم ‘جيش المتطوعين’ الذي لم ينتظر أمراً من أحد؛ هم من انتشلوا الأشلاء بأظافره، وهم من أداروا التكايا الشعبية لسد رمق الجياع، وهم الذين ابتكروا بدائل للطاقة والاتصال من رحم العدم. لقد أثبت الشباب في هذه الحرب أن ‘حرب الإبادة’ رغم بشاعتها، عجزت عن إبادة ‘إرادة الفعل’ لديهم، بل صقلت وعيهم بهويتهم كحراس للحلم الوطني، ومدافعين عن حق شعبهم في الوجود فوق أرضهم.”
اتحاد الشباب الديمقراطي (أشد): بصمة الفعل في المحطات المفصلية
وفي قلب هذا الحراك الشبابي، برز اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني (أشد) كرافعة وطنية ومجتمعية لم تتخلف يوماً عن نداء الواجب. لم تكن رؤية “أشد” يوماً محصورة في الأطر التنظيمية الضيقة، بل كانت تنطلق من الإيمان بأن الشباب هم “بوصلة التغيير”.
لقد كان للاتحاد دور مبادر في محطات تاريخية هامة، لا سيما في ملف “إنهاء الانقسام”. لقد آمنا في “أشد” أن الانقسام هو الخنجر الذي أدمى خاصرة المشروع الوطني، لذا كانت تحركاتنا في الساحات والجامعات واللقاءات الوطنية تصب دائماً في اتجاه واحد: “الوحدة هي خيار الضرورة”. بادرنا بطرح الرؤى السياسية والنقابية التي توحد ولا تفرق، وضغطنا بصدورنا الشابة من أجل تغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الحزبية الضيقة.
غياب الصوت في زحام الفعل: معضلة التمثيل
السؤال الكبير الذي يفرض نفسه: لماذا يغيب صوت الشباب في مراكز صنع القرار بينما يحضر فعلهم في الميادين؟
إننا نرى في «أشد» أن هناك “فجوة تمثيلية” عميقة. الشباب الذين يقودون الميدان ويواجهون التحديات الاجتماعية والاقتصادية، يجدون أنفسهم أمام أبواب مغلقة حينما يتعلق الأمر برسم السياسات العامة أو قيادة المؤسسات الوطنية.
إن استمرار تغييب الشباب عن المؤسسات القيادية (منظمة التحرير، السلطة الوطنية، والاتحادات النقابية..الخ ) ليس مجرد إجحاف بحق جيل، بل هو تعطيل لطاقة التجديد في العقل السياسي الفلسطيني.
رؤية للمستقبل: نحو تمثيل حقيقي وإعلاء للصوت
إننا في اتحاد الشباب الديمقراطي، ومن خلال دورنا المبادر مع الأطر الطلابية والشبابية ، نطرح رؤية شاملة تتجاوز منطق “الاحتواء” إلى منطق “الشراكة”:
– ديمقراطية المؤسسات: لا يمكن إعلاء صوت الشباب دون إجراء انتخابات ديمقراطية شاملة في كافة الاتحادات والمنظمات الشعبية، لضمان ضخ دماء جديدة قادرة على محاكاة لغة العصر.
– قوننة الحقوق الشبابية: نطالب بتشريعات تحمي حق الشباب في التمثيل بنسب لا تقل عن 40% في كافة القوائم الانتخابية والمناصب القيادية.
– تجسير الفجوة بين الفعل والقرار: يجب أن تتحول المبادرات الشبابية الميدانية إلى برامج عمل وطنية تتبناها القيادة السياسية، بحيث يكون الشاب “شريكاً في القرار” كما هو “شريك في الدم”.
– تعزيز الصمود الاقتصادي: لا صوت لمن لا يملك قوته؛ لذا فإن معالجة أزمات البطالة والفقر بين الخريجين هي المدخل الأساسي لتمكينهم سياسياً.
– مأسسة المشاركة في الإعمار: تشكيل “مجلس شبابي استشاري” يتبع مباشرة للجهات المشرفة على إعادة الإعمار، لضمان دمج أولويات الجيل الشاب في رؤية غزة المستقبلية، وتحويل طاقاتهم من الإغاثة العاجلة إلى البناء الاستراتيجي.
الإعمار وصناعة الحياة.. الشباب كركيزة للنهوض
“إن الحديث عن غزة ‘ما بعد الحرب’ وإعادة إعمار ما دمرته آلة العدوان، لا يمكن أن يستقيم دون أن يكون الشباب هم قلب هذه العملية ومحركها الأساسي. إن إشراك الشباب في ملفات الإعمار وإعادة الحياة ليس ‘منحة’ من أحد، بل هو ضرورة وطنية وتقنية؛ فهم الأقدر على تطويع التكنولوجيا والحلول المستدامة لمواجهة واقع الدمار. إننا نطالب بمقاربة وطنية تخرج الشباب من دائرة ‘العمالة المؤقتة’ إلى دائرة ‘القيادة التخطيطية’ لملف الإعمار. غزة لا تحتاج فقط إلى حجارة تُبنى، بل إلى روح تُبث في مؤسساتها واقتصادها، وهو ما لا يملكه سوى هذا الجيل الذي خبر الموت، وأصبح اليوم أكثر إصراراً على صناعة الحياة من جديد وفق رؤية وطنية عصرية.”
ختاماً..
إن الشباب الفلسطيني في غزة، الذي أثبت بالدليل القاطع أنه قادر على اجتراح المعجزات، لن يقبل طويلاً بأن يبقى “وقوداً للمرحلة” دون أن يكون “محركاً للقرار”. إن الفعل الذي يمارسه شبابنا اليوم هو المقدمة الطبيعية لفجر الحرية، ولن يكتمل هذا الفعل إلا بصوت قوي، مسموع، ومؤثر في صياغة مستقبل فلسطين التي نحلم بها.. فلسطين الديمقراطية، المستقلة، والفتية.
الكلمات المفتاحية: اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني, التمثيل السياسي, قطاع غزة, العمل التطوعي, حرب غزة, منظمات شبابية فلسطينية, الإبادة الجماعية في غزة, الحصار الإسرائيلي, إعادة إعمار غزة, الصمود الفلسطيني, المشاركة السياسية, الشباب الفلسطيني, العمل الشبابي, أشد, تغييب الشباب.