تقرير إخباري | غزة – خاص إذاعة صوت الوطن– حنين الجاجة
في غزة، لم تعد السبورة مركز الصف، بل قطعة خشب معلّقة على ركام مدرسة مدمّرة. ومن بين الخيام ومراكز الإيواء، توثّق مراسلة إذاعة «صوت الوطن» مشاهد حيّة لانهيار غير مسبوق في النظام التعليمي، عبر مقابلات ميدانية مباشرة مع معلمين وطلبة وأهالٍ، ترسم ملامح جيل يدخل عامه الثاني بلا تعليم.
تقول مراسلة الإذاعة إن الصباحات لم تعد تبدأ بجرس المدرسة، بل بأصوات القصف، فيما تحوّلت الحقائب المدرسية إلى أمتعة نزوح، والدفاتر إلى أوراق ممزقة تحت الغبار.
ووفق بيانات مجموعة التعليم التابعة للأمم المتحدة (Education Cluster)، اضطر أكثر من 625 ألف طالب وطالبة إلى التوقف عن التعليم منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتشير اليونيسف إلى أن ما بين 87% و95% من المدارس والمرافق التعليمية في غزة دُمّرت كلياً أو جزئياً وخرجت عن الخدمة.
كما تعرّضت أكثر من 212 مدرسة لضربات مباشرة، فيما يحتاج 499 مبنى تعليمياً من أصل 564 إلى إعادة بناء شاملة، بحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
«أنا معلمة بلا صف»
داخل مركز إيواء غرب غزة، أجرت مراسلة «صوت الوطن» مقابلة مع المعلمة نوال (41 عاماً)، النازحة من بيت حانون، التي لخّصت المشهد بقولها: «أنا مش بس نازحة… أنا معلمة بلا صف».
تجلس نوال على بطانية فوق أرضية مدرسة مهجورة، وتحاول يومياً تعليم نحو 20 طفلاً داخل خيمة، مستخدمة كرتون علب المساعدات بدلاً من السبورة. وتحذّر من أن أطفالاً كانوا قادرين على القراءة باتوا ينسون كيف يكتبون أسماءهم، بعد أشهر طويلة من القصف والنزوح وانعدام الاستقرار.
أرقام الدمار… وشهادات أشد قسوة
بحسب وزارة التعليم الفلسطينية والنقابات الأكاديمية، قُتل منذ بداية الحرب 5,479 طالباً و261 معلماً و95 أكاديمياً جامعياً.
وتؤكد الأونروا أن الدمار طال معظم البنية التعليمية، وأن إعادة إعمار المدارس ستتطلب سنوات في حال توفرت الظروف.
لكن مراسلة الإذاعة تشير إلى أن هذه الأرقام، على فداحتها، لا تعكس وحدها حجم الخسارة الإنسانية، التي تكشفها المقابلات اليومية مع من فقدوا المدرسة والمعلم والحلم معاً.
طالب بلا مدرسة… وبلا حلم
في مخيم نزوح آخر، التقت مراسلة صوت الوطن الطالب مالك (17 عاماً)، الذي كان يستعد لامتحانات الثانوية العامة. قال: «كنت أحلم أدرس هندسة حاسوب. اليوم بتعلّم كيف أهرب من القذيفة».
يضيف مالك أنه نسي القوانين الرياضية التي كان يتقنها، لكنه بات يحفظ أصوات الطائرات واتجاه القصف، في مشهد يلخص التحول القاسي في حياة آلاف الطلبة الذين استُبدلت دفاترهم بالخوف.
أطفال يسألون: هل عادت المدرسة؟
وأثناء إعداد التقرير، تحدّثت المراسلة مع أيمن (38 عاماً)، أب لثلاثة أطفال، قال إن ابنته تسأله كل صباح: «بابا، المدرسة رجعت؟»
ويضيف: «أحاول أعلّمها على الرمل، أكتب اسمها وأراجع جدول الضرب، لكن الحقيقة أنا مش معلم… أنا أب مكسور».
تعليم مؤقت لا يلبّي الحد الأدنى
وأطلقت الأونروا 39 مركزاً تعليمياً مؤقتاً، لكنها لم تستوعب سوى 12 ألف طالب فقط، أي أقل من 2% من إجمالي الطلبة، وفق تقارير اليونيسف، في ظل غياب الكهرباء والإنترنت والمواد التعليمية الأساسية.
وتشير منظمة أنقذوا الأطفال (Save the Children) إلى أن 80% من أطفال غزة يعانون من اضطرابات نفسية حادة، فيما وثّقت تقارير دولية شهادات لأطفال نسوا كيف يكتبون أسماءهم أو يميّزون بين صوت الرعد وصوت الصاروخ.
جيل بلا مدارس
تحذّر اليونيسف من أن 45 ألف طفل في الصف الأول لم يبدأوا تعليمهم أساساً، في سابقة لم يشهدها أي نظام تعليمي في العالم.
وتخلص مراسلة إذاعة «صوت الوطن» إلى أن ما يجري في غزة لا يمثل توقفاً مؤقتاً للتعليم، بل انهياراً تعليمياً طويل الأمد يهدد مستقبل جيل كامل، جيل يحفظ القصف أكثر من الدرس، ويتقن النزوح أكثر من القراءة، في واحدة من أخطر الأزمات التعليمية في القرن الحادي والعشرين.
الكلمات المفتاحية: أزمة اللاجئين, غزة, الأونروا, اليونيسف, التعليم في غزة, الحرب في غزة, انهيار التعليم, مدارس مدمرة, الأطفال الفلسطينيون, التعليم المؤقت.