غزة– إذاعة صوت الوطن – تقرير حنين الجاجة|
تتعمق أزمة المواصلات في قطاع غزة بصورة غير مسبوقة، وسط تدهورٍ حاد في البنية التحتية وشحّ الوقود وندرة قطع الغيار، ما جعل التنقل اليومي عبئًا إضافيًا على السكان الذين يواجهون تداعيات الحرب المستمرة والحصار الممتد منذ سنوات.
في طرقاتٍ متشققة تملؤها الحفر، تصدر المركبات أصواتًا مرهقة تُجسد حجم الانهيار الذي أصاب وسائل النقل. ومع الساعات الأولى من الصباح، يتكدس المواطنون في مواقف السيارات بالمنطقة الوسطى، بعضهم يلوّح لإيقاف مركبة وآخرون يركضون لركوب «الكارة»، وهي عربة معدنية بدائية تجرّها دراجة نارية أو سيارة تحولت إلى بديل اضطراري للمركبات النظامية.
يصف حسام، أحد المنتظرين لأكثر من نصف ساعة، لإذاعة «صوت الوطن» الوضع بأنه «أزمة متفاقمة»، مضيفًا أن السائقين «لم يعودوا يلتزمون بعدد الركاب، في محاولة لتعويض الارتفاع الكبير في أسعار الوقود».
أما مروان، السائق على خط الوسطى–غزة، فيشير في حديث إلى إذاعتنا إلى ارتفاع تكاليف التشغيل بشكل غير مسبوق، قائلاً: «قطع الغيار غير متوفرة، والسولار نار… عشان نعيش لازم نحمل ركاب زيادة. حتى الفكة صارت أزمة، الناس تدفع بورقة كبيرة، والسائق ما بعرف يرجع. الفكة نفسها بيجمعوها وببيعوها للتجار».
وتحولت ظاهرة بيع الفكة في السوق إلى مشهد اقتصادي غريب يعكس الانهيار النقدي في غزة، إذ تُباع العملات المعدنية بأسعار أعلى من قيمتها نتيجة نقصها الحاد في التداول المحلي.
ووفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي، ارتفعت أزمة النقل بنسبة 40% خلال عام 2025 مقارنة بالسنوات السابقة، بسبب تدمير أكثر من 35% من أسطول المركبات المدنية خلال العدوان، إضافة إلى شح الوقود وغياب قطع الغيار، بحسب تقرير لوزارة النقل والمواصلات نُشر في يوليو الماضي.

وفي موقف آخر، تنتظر سمر — وهي موظفة تحمل طفلها — وسيلة نقل تقلّها إلى مدرستها، وتقول لإذاعة «صوت الوطن» إن التنقل «أصبح عملية مرهقة تستنزف الوقت والطاقة»، مؤكدة أنها تضطر أحيانًا إلى السير لمسافات طويلة بسبب قلة المركبات.
وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تقرير حديث إلى أن أزمة النقل في غزة «تعكس انهيارًا واسعًا في البنية التحتية وشحًّا حادًا في الوقود، ما جعل التنقل مهمة شبه مستحيلة لكثير من الأسر».
وسط هذا المشهد، تبدو شوارع غزة كأنها تتحرك ببطء تحت وطأة الأزمات: مركبات مهترئة، و«كارات» تندفع عبر الطرق الوعرة، وركابٌ عالقون بين الارتفاع الجنوني للأسعار وانعدام الخيارات. أزمة المواصلات لم تعد أزمة نقل فقط، بل أزمة حياة بأكملها تعبر طرقًا طويلة نحو المجهول، بينما يواصل الناس السير، بحثًا عن عمل، عن مدرسة، عن دواء… وعن بارقة أمل صغيرة في مدينة أثقلها الحصار والدمار.
الكلمات المفتاحية: أزمة الفكة, غزة, البنية التحتية, المواصلات, النقل.